العدالة الانتقالية في سوريا: صراع بين مبادئ الشمول وواقع التسييس الانتقائي


هذا الخبر بعنوان "العدالة الانتقالية في سوريا بين خطاب الشمول وممارسة التسييس" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد العدالة الانتقالية إطارًا قانونيًا وسياسيًا حيويًا لمعالجة الإرث الثقيل للانتهاكات الجسيمة التي تحدث في مراحل التحول، وذلك عبر منظومة متكاملة تشمل المساءلة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ووضع ضمانات لعدم تكرار هذه الانتهاكات. ومع ذلك، يثير تطبيق هذه المنظومة إشكالية نظرية محورية تتعلق بالمفاضلة بين مقاربتين أساسيتين: المقاربة التدرّجية (Sequencing) التي تقترح تأجيل بعض عناصر العدالة، والمقاربة التزامنية (Simultaneity) التي تدعو إلى تنفيذها بشكل متوازٍ وشامل.
في السياق السوري، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في مسودة قانون العدالة الانتقالية وسلوك السلطة الانتقالية. فبدلاً من أن يعكسا إحدى المقاربتين بصيغتهما النظرية، يبدو الأمر وكأنه توظيف سياسي للعدالة بهدف إدارة توازنات القوة القائمة. نظريًا، يقوم نموذج التدرج على مركزية الضحايا وتنفيذ العدالة على مراحل، انطلاقًا من فرضية أن المجتمعات الخارجة من نزاع تحتاج إلى قدر من الاستقرار قبل الانخراط في مساءلة شاملة قد تهدد التوازنات الهشة. يبرر هذا النموذج العفو المشروط أو الضمني وتأجيل المحاكمات، مع التركيز على الاستقرار المؤسسي أولًا. لكن الخطر الأكبر يكمن في تحول منطق "التأجيل" إلى تعطيل دائم، مما يرسخ الإفلات من العقاب.
في المقابل، تؤكد المقاربة التزامنية أن العدالة بشمولها وتزامن آلياتها شرط أساسي للاستقرار والسلم الأهلي، وأن أي تأجيل لها يقوض الثقة ويؤسس لدورات عنف جديدة. عند تحليل مسودة قانون العدالة الانتقالية، يظهر على مستوى النص تبنٍ قريب للمقاربة التزامنية، حيث تتضمن مركزية الضحايا وجميع آليات العدالة الانتقالية. غير أن هذا الشمول يبدو شكليًا أكثر منه جوهريًا، إذ تحوي المسودة فجوات بنيوية خطيرة. من هذه الفجوات، فجوة الشمول الزمني التي لم تضم الانتهاكات التي وقعت خلال المرحلة الانتقالية، وفجوة تعريف وتحديد الجماعات والفصائل المسؤولة عن الانتهاكات، حيث اكتفت المسودة بالتركيز على جرائم النظام السابق. هاتان الفجوتان تؤسسان لعدالة انتقائية تميز بين الضحايا، وهو ما يتناقض مع جوهر مقاربة التزامن التي تفترض شمولًا كاملًا.
علاوة على ذلك، تعتمد الشرعية الدستورية والمجتمعية للعدالة الانتقالية على المشاركة الواسعة للضحايا والمجتمع المدني. إلا أن مسودة القانون أُعدت بتقييد أو إضعاف للتشاركية، مما يتعارض مع المقاربة التزامنية التي تتطلب تعددية الفاعلين لا احتكار القرار، ومع مركزية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. وحتى إذا افترضنا أن مسودة القانون تقارب منهج التدرج، فإن متن النص يدحض ذلك، فالتدرج الحقيقي يفترض شمولًا بضمانات مكتوبة وواضحة، ويكون تأجيل الملفات مؤقتًا لا دائمًا، مع خطة زمنية واضحة.
بناءً عليه، فإن توصيف العدالة الانتقالية التي اختارتها الهيئة، حتى الآن، هو عدالة انتقائية مسيسة. إنها تحمي تحالفات السلطة الانتقالية، وتدير المخاطر بدل معالجة الانتهاكات، وتعيد تعريفها، وتضبط الذاكرة الجماعية وفق رؤية السلطة. وإذا افترضنا أن استبعاد السلطة الانتقالية لمقاربة شاملة للعدالة انسحب على مسودة القانون لتحقيق استقرار سياسي سريع، فإنها تؤسس لهشاشة قانونية طويلة الأمد، وتقوض الشرعية التي تحتاج إليها السلطة، وتقدم عدالة مسيسة غالبًا ما توصف بأنها "عدالة المنتصر". أي أنها تُستخدم كأداة لحماية الفاعلين والحلفاء، ولإدارة التوازنات السياسية وحمايتها، لا كآلية تفكك الانتهاكات وتضمن عدم التكرار. وبالتالي، هي بالضرورة، تكرس المواطنية المنقوصة للضحايا الذين لم تشملهم ولم تعترف بهم تلك العدالة.
تقارب مؤشرات التسييس هذه المعالجة أو التسوية التي تمت في لبنان بعد سنوات الحرب، حيث دُمج قادة الميليشيات في السلطة، وصدر قانون عفو عام في عام 1991، وطُمست حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف والعدالة. ورغم مبادرات المجتمع المدني التي قادت مسارًا شاقًا في البحث عن المختفين قسريًا ومحاولات إحياء الذكرى، إلا أن لبنان أخفق حتى الآن في معالجة إرث الماضي العنيف معالجة حقيقية مستدامة. وما زال السلم الأهلي هشًا، وتُستثار النعرات الطائفية والمناطقية لأهون سبب، مما أسهم في تعطيل بناء الدولة وضمان العيش الكريم لجميع اللبنانيين، ورسخ تغول الفساد والإفلات من العقاب.
في العودة إلى السياق الذي أُنشئت فيه الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وسلطة انتقالية حريصة على احتكار السلطة والتحكم بالقرار، فإن الهيئة تبدو مؤسسة محدودة الاستقلالية أو مقيدة سياسيًا، تعمل ضمن هامش تحدده السلطة. خاصة وأن عضويتها لم تأتِ من خلال عملية تشاورية واسعة ومجلس شعب منتخب، ناهيك بازدواجية عمل بعض أعضائها مع السلطة التنفيذية في آن واحد. وعليه، فإن وجود ضمانات قانونية ضرورية في متن نص القانون يكفل استقلال الهيئة وأعضائها، مع آليات شفافة للتعيين والعزل، وتنظيم واضح لعلاقتها مع السلطات بما يضمن التعاون دون تبعية، إلى جانب تحديد دقيق للاختصاصات وآليات التنسيق الداخلي لمنع التداخل والتعارض.
خلاصة القول، إن الإطار الحالي للعدالة الانتقالية في سوريا قد خرج عن مقاربتي الشمولية والتدرج، ليتحول إلى ممارسة انتقائية مسيسة يتم التحكم بها كأداة لإدارة توازنات السلطة، بدلًا من معالجة جذرية للإفلات من العقاب وضمان عدم تكرار الانتهاكات والجرائم. إن الاستمرار في هذا المسار سيعمق الانقسامات ويعيد إنتاج شروط النزاع.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة