التشتت المالي للشركة السورية للبترول: مغالطة المقارنة مع أرامكو وأدنوك وكشف الفوضى المؤسساتية


هذا الخبر بعنوان "لماذا المقارنة مع "أرامكو" مغالطة؟ قراءة في التشتت المالي للشركة السورية للبترول" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق التعقيب على المادة التي نشرتها زمان الوصل تحت عنوان "رئيس شركة البترول السورية يمارس مهام وزارة المالية وسط غياب مؤسساتي"، والتي أثارت جدلاً حول تشابه النهج المتبع في السعودية والإمارات، يوضح هذا التحليل أن مقارنة الشركة السورية للبترول بشركات عملاقة مثل أرامكو السعودية أو أدنوك الإماراتية تعد مغالطة اقتصادية وقانونية جسيمة. تكمن هذه المغالطة في الخلط بين الاستقلالية الإدارية المشروعة والفوضى المؤسساتية.
أولاً: أرامكو ليست وزارة مالية موازية
على عكس ما قد يُفهم، لا تعمل أرامكو في السعودية أو أدنوك في الإمارات كوزارة مالية موازية. فدورهما يقتصر على الإنتاج والبيع، ثم تقوم هاتان الشركتان بتوريد الأرباح والضرائب والريع إلى الخزينة العامة للدولة (ممثلة بـوزارة المالية). تتولى وزارة المالية بعد ذلك إنفاق هذه الأموال عبر الميزانية العامة التي يقرها البرلمان، موجهة إياها نحو الرواتب والتعليم والصحة وغيرها من القطاعات الحيوية.
أما في الحالة السورية، فالوضع مختلف تماماً؛ إذ لا تقوم الشركة السورية للبترول بتوريد الأموال إلى وزارة المالية لتؤدي الأخيرة دورها المنوط بها. بل إن الشركة نفسها تتخذ قرارات "تخصيص" مبالغ مالية لبناء طريق في حلب أو مستشفى في الرقة. هذا النمط من العمل يُعرف بـ"التشتت المالي"، ولا يمت بصلة إلى مفهوم "الاستقلالية" الإدارية.
ثانياً: غياب قانون الموازنة
في الدول ذات المؤسسات المستقرة، لا تُحرك مليارات الدولارات بناءً على "توجيهات شفهية". بدلاً من ذلك، توجد ميزانية معتمدة تُقر وتُنشر في الجريدة الرسمية. عندما يصرح رئيس شركة بأن "الرئيس تواصل معي وخصصنا جزءاً للدعم"، فإن هذا يعني عملياً إلغاءً لدور مؤسستي التخطيط ووزارة المالية. فالاستثمار الحكومي ليس "هبة" يوزعها رئيس شركة بناءً على مكالمة هاتفية، بل هو جزء من خطة تنموية معتمدة مسبقاً ووفق أطر قانونية واضحة.
ثالثاً: غياب الرقابة والشفافية
تخضع شركات عملاقة مثل أرامكو وأدنوك لرقابة صارمة من مجالس إدارة وهيئات محاسبية مستقلة، وهي مدرجة في أسواق مالية تفرض أعلى معايير الشفافية والإفصاح. في المقابل، تعمل الشركة السورية للبترول في ظل فراغ تشريعي واضح، حيث لا يوجد مجلس شعب مشكّل، ومرسوم إحداث الشركة لم يصادق عليه. إن تحول الشركة إلى تمويل الرواتب مباشرة جعلها تؤدي دور "البنك المركزي" و"وزارة المالية" معاً، مما يفتح الباب واسعاً أمام الفساد والمحسوبية في غياب أي رقابة مستقلة وفعالة.
رابعاً: تشتيت الوظيفة الأساسية للشركة
تتمثل الوظيفة الأساسية لأي شركة نفط في الاستكشاف والإنتاج والتسويق. أما بناء المستشفيات ودعم المخيمات، فهذه مهام تقع ضمن اختصاص وزارة الإدارة المحلية ووزارة الصحة. إن إقحام شركة إنتاجية في قضايا خدمية وتنموية مباشرة يشتت تركيزها التقني والفني، ويجعل ميزانيتها أشبه بـ"ثقب أسود" يصعب فيه التمييز بين الإنفاق التشغيلي والإنفاق العام، مما يعيق تقييم أدائها الحقيقي.
إن النقد الموجه لـالسيد قبلاوي ليس موجهاً لشخصه أو لنواياه، بل للنظام الإداري الذي يمثله. فالمطالبة بـ"المؤسساتية" ليست تخويناً، بل هي مطالبة أساسية بأن تمر أموال السوريين عبر قنوات شرعية وواضحة (مثل الموازنة العامة، البرلمان، ووزارة المالية) لضمان التوزيع العادل والشفاف، بدلاً من حصرها في تواصل مباشر بين رئيس شركة ورأس السلطة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد