مجزرة التضامن و"تفاهة الشر": صدمة جماعية وتأثير مشاهد العنف على السوريين


هذا الخبر بعنوان "ما بعد تفاهة الشر.. القتل كفعل يومي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد السوريون مؤخرًا أسبوعًا عصيبًا أعاد إلى الواجهة كل الرضوض النفسية دفعة واحدة، بدءًا من خبر اعتقال أمجد يوسف، المعروف بـ "جزار التضامن"، وما تلاه من إعادة عرض تفاصيل المجزرة المروعة أمام أعين السوريين والعالم. كانت الصدمة مضاعفة بظهوره الهادئ على الشاشة، متحدثًا عن أفعال القتل وكأنها مجرد ذكريات عابرة وعادية جدًا. وفي خضم هذا الارتباك، انتشرت فجأة عبر حسابات مجهولة على "فيسبوك" عشرات المقاطع المصورة لعمليات تعذيب وحشية، تعود لـ "حقبة الأسد المظلمة" وفي أماكن مختلفة، أبرزها "مستشفى تشرين العسكري" سيئ الصيت.
توقفت النقاشات العامة والخاصة، بين المختصين وغير المختصين، عند سؤالين محوريين: الأول يتعلق بشخصية المجرم وتكوينه النفسي، وسبب الهدوء والتماسك الذي بدا عليه. أما السؤال الثاني، والأكثر أهمية، فيدور حول تأثير هذه المقاطع على الحالة النفسية للمشاهدين، ومدى جدواها أو خطورتها في المرحلة الراهنة.
في محاولة لفهم سيكولوجية هذا الجلاد، يتضح أننا لسنا أمام ظاهرة جديدة كليًا. فقد وصفت الفيلسوفة "حنّا أرندت" هذا النمط في كتابها الشهير "أيخمان في القدس"، متحدثة عن مفهوم "تفاهة الشر". هنا، لا ينبع الشر من وحشية استثنائية، بل من سطحية مقلقة؛ من إنسان عادي يمارس العنف كجزء من وظيفته. تلعب اللغة دورًا حاسمًا في هذا السياق، حيث يُعاد صياغة الفعل ليصبح إجراءً إداريًا مجردًا من أي حمولة أخلاقية، فيتحول القتل إلى "تنفيذ أوامر" والجريمة إلى "مهمة".
لكن ما يلفت الانتباه في حالة هذا المجرم تحديدًا، هو تجاوزه حتى هذا المستوى من التبرير. فهو لم يحاول الاحتماء بخطاب الأوامر العليا، كما فعل بعض أفراد عائلته، بل تحدث عن المجزرة كفعل لا يستحق التفسير من الأساس. المفارقة الصادمة التي أشار إليها البعض، هي استخدامه كلمة "عفوًا" عندما أخطأ في ذكر تاريخ دورة تدريبية، بينما لم يُبدِ أي شعور بالحاجة إلى الاعتذار عن قتل عشرات الأشخاص، وكأن القتل لا يستدعي حتى مجرد تعليق.
هذا يقودنا إلى مستوى أعمق من "تفاهة الشر"، حيث لا يحتاج الفعل إلى تبرير، ولا يرى الفاعل نفسه مطالبًا بأي مساءلة. إنها حالة من "نزع الذاتية"، يذوب فيها الفرد بالكامل داخل المنظومة. فالجلاد لا يشعر بأنه كيان أخلاقي مستقل، بل مجرد امتداد لجهاز أكبر، حيث يتبنى منطق "الأمن يقتل، أنا عنصر أمن، إذًا أنا أقتل". ضمن هذه البنية، يُعاد تعريف الواقع ليصبح العنف جزءًا طبيعيًا من سير الأمور. فعندما تحدث، ذكر أنه قتل "حوالي" 40 شخصًا، دون أن يكترث هو أو المؤسسة التي يعمل بها إن كان العدد 38 أو 45، فالموضوع لا يستحق عناء الحفظ. كما أنه لم يعرف التهم الموجهة لضحاياه، ربما كانت مجرد تقارير كيدية، ولم يتذكر أسماءهم، مستخدمًا كلمة "فلان". يجسد هذا المجرم تمامًا عقلية المؤسسة التي يعمل بها، في انصهار تام يجعله جزءًا من كل، في سلوكه وحياته.
هذه "العادية" ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي جوهر المشكلة. فالخطر لا يكمن في وجود أفراد استثنائيين يمارسون الشر، بل في قدرة الإنسان العادي على الانخراط فيه عندما تُعاد صياغة المعايير الأخلاقية داخل نظام مغلق. الجلاد هنا لا يعيش صراعًا داخليًا، بل هو جزء من آلة أكبر، يعمل وفق منطقها الخاص.
بالانتقال إلى السؤال الثاني الأكثر أهمية، والمتعلق بمشاهدة مقاطع العنف المنتشرة، فقد حذر عدد من المختصين النفسيين من ضرورة تجنبها. فالمشاهد في هذه الحالة لا يبقى بمعزل عن الحدث، بل ينخرط فيه نفسيًا، ويعيش مشاعر الخوف والغضب والعجز وكأنه حاضر في المشهد. وقد أثبتت دراسات عديدة، لا سيما بعد أحداث 11 من أيلول، أن التعرض المكثف للصور العنيفة قد يؤدي إلى ظهور أعراض مشابهة لـ "اضطراب الكرب التالي للصدمة" (PTSD)، حتى لدى الأفراد الذين لم يختبروا الحدث بشكل مباشر.
لا تقتصر المشكلة على حدود الصدمة فحسب، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى تصريف انفعالاته. لكن المشاهد هنا يجد نفسه عاجزًا عن الفعل، غير قادر على التدخل أو تغيير ما يراه، أو حتى الابتعاد بسهولة. هذا العجز يحوّل الشحنة الانفعالية من غضب وحزن إلى طاقة غير مُفرَّغة ترتد إلى الداخل، مما يؤدي إلى ظهور أعراض مثل القلق والتوتر واضطرابات النوم، وقد تتطور أحيانًا إلى مظاهر جسدية كارتفاع ضغط الدم أو اضطراب في نظم القلب.
تكمن المفارقة المؤلمة في أن العنف يُمارَس من طرف دون أي شعور بالذنب، بينما يُعاش من طرف آخر بكل ثقله النفسي. فالجلاد يُفرغ الفعل من معناه، في حين يُعيده المشاهد إلى أقصى درجاته الإنسانية. الأول يتحرك ضمن منطق "الوظيفة" والانصهار في منظومة أكبر، بينما يغرق الثاني في تجربة الانفعال العميقة.
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع ما حدث كحدث عابر. نحن أمام إعادة تنشيط لذاكرة صدمة جماعية لم تُعالَج بعد. فالصور لا تنقل الماضي فحسب، بل تعيد إنتاجه نفسيًا في الحاضر، محمّلة بشحنة إضافية من العجز والغضب. وهذا ما يجعل الحاجة ملحة، ليس فقط لتحقيق العدالة، بل أيضًا لعمل نفسي عميق يعيد ترميم المعنى ويحمي ما تبقى من التوازن الداخلي، قبل أن تتحول هذه الصدمة إلى حالة مزمنة.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة