ألمانيا واللاجئون السوريون: لماذا تبقى العودة إلى سوريا خارج المعادلة رغم تراجع أسباب اللجوء؟


هذا الخبر بعنوان "خارج المعادلة.. لماذا لا يعود السوريون من ألمانيا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الوقت الذي شهدت فيه سوريا عودة نحو 1.63 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، غالبيتهم من الدول المجاورة، تظل مسألة عودة اللاجئين السوريين من ألمانيا استثناءً ملحوظًا. فوفقًا لأرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد حتى 30 من نيسان الماضي قرابة 640 ألف سوري من تركيا، ونحو 630 ألفًا من لبنان، بالإضافة إلى حوالي 285 ألفًا من الأردن. في المقابل، كشفت إحصاءات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين الصادرة في شباط، والتي نقلتها صحيفة “فيلت أم زونتاغ” الألمانية، أن 3,678 لاجئًا سوريًا فقط عادوا طوعًا من ألمانيا خلال العام الماضي.
يُقيم في ألمانيا حاليًا أكثر من 900 ألف سوري، حسبما أفادت الصحيفة الألمانية. ومنذ انهيار النظام السوري السابق، لوحظ تراجع كبير في أعداد طالبي اللجوء السوريين في ألمانيا، مدفوعًا بتقييم الحكومة الألمانية بأن مبررات الحماية لم تعد سارية على شريحة واسعة منهم. وأشارت الصحيفة إلى أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين يمتلك صلاحية مراجعة استمرار أسباب الحماية في حال تغير الأوضاع في بلد المنشأ، وذلك عبر ما يُعرف بإجراءات سحب الحماية. ومع ذلك، لا تُطبق هذه الإجراءات حاليًا بشكل شامل على السوريين، بل تقتصر على ظروف معينة كالسفر غير المصرح به إلى سوريا أو ارتكاب جرائم. وفي إطار الجدل الدائر في ألمانيا بخصوص اللاجئين السوريين، تُناقش حاليًا إمكانية زيادة المساعدات المالية المخصصة للعودة، والتي تصل حاليًا إلى حوالي 1000 يورو كحد أقصى للشخص البالغ، وفقًا للمصدر ذاته.
تُعد ألمانيا حالة استثنائية في سياق عودة مئات الآلاف من السوريين إلى وطنهم. فوفقًا للصحيفة الألمانية، لا يزال قرابة مليون سوري ممن وصلوا إلى ألمانيا خلال ذروة أزمة اللاجئين يقيمون فيها، على الرغم من أن الدوافع الأساسية التي دفعت غالبيتهم لطلب الحماية، مثل الحرب أو الاضطهاد من قبل نظام الأسد أو تنظيم “الدولة”، قد تراجعت بشكل كبير منذ فترة طويلة.
وأفادت الصحيفة بأن نظام اللجوء الألماني يمنح الحماية حتى للأفراد الذين يصلون عبر دول آمنة ويدخلون البلاد بطرق غير نظامية. ورغم أن هذه الحماية يُفترض أن تكون مؤقتة وتُسحب بزوال أسباب اللجوء، إلا أن الواقع يشير إلى خلاف ذلك، حيث استقر معظم اللاجئين في البلاد، وحصل ما يقارب 300 ألف منهم على الجنسية الألمانية.
ويُظهر أحدث تقرير صادر عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، كما نقلت الصحيفة الألمانية، تراجعًا مستمرًا في حدة النزاع وعدد الضحايا في سوريا منذ التحولات السياسية. ومع ذلك، يؤكد التقرير في الوقت ذاته أن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في سوريا لا تزال متردية. من جانبه، يرى أستاذ قانون اللجوء دانيال ثيم أن الظروف الراهنة تستدعي إعادة تقييم منح الحماية لبعض الفئات، لافتًا إلى أن التقييمات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الألمانية وهيئات اللجوء الأوروبية تدعم هذا التوجه، وفقًا لما ذكرته صحيفة “فيلت أم زونتاغ”.
وأوضح دانيال ثيم أنه يمكن، على سبيل المثال، دراسة أوضاع الرجال العرب السنّة العُزّاب بشكل فردي لبحث إمكانية سحب الحماية عنهم. إلا أن الحكومة الفيدرالية لم تشرع بعد في تطبيق هذه الإجراءات، كما أوضحت الصحيفة، ومن المرجح أن يركز المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، الذي يواجه ضغطًا كبيرًا، في المرحلة الأولى على معالجة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين الذين وصلوا إلى ألمانيا قبل أو بعد فترة وجيزة من سقوط نظام الأسد.
وعلى الرغم من وجود إطار قانوني يوجب من حيث المبدأ مراجعة أوضاع الحماية وإمكانية سحبها، فإن القدرات التنفيذية المتاحة لا تزال محدودة. ووفقًا لقرار المكتب الفيدرالي للهجرة واللاجئين، ذكرت الصحيفة أن المحاكم الإدارية ستواجه عبئًا كبيرًا من الدعاوى القضائية لسنوات. وأشارت إلى أن تردد الحكومة الفيدرالية في بدء مراجعات إلغاء الحماية قد يعود إلى مخاوف من عدم كفاية نجاح عمليات الترحيل، خاصة إذا رفض آلاف السوريين الذين سيُطلب منهم المغادرة عرض العودة المدعومة.
بعد مرور أكثر من عام على انتهاء الحرب، لا تزال العودة إلى سوريا محفوفة بصعوبات جمة، وهو ما يؤكده صادق الموصلي، المتحدث باسم الجالية السورية في ألمانيا. وقد نقلت صحيفة “فيلت أم زونتاغ” تصريحه الذي يوضح فيه أن إعادة أعداد كبيرة من السوريين المقيمين في ألمانيا خلال السنوات الثلاث المقبلة “أمر غير واقعي ويصعب تحقيقه”.
من جانبه، قدم وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول تقييمًا صريحًا خلال زيارته إلى دمشق، مشيرًا إلى أن الدمار لا يزال واسع النطاق. وأكد فاديفول أن الظروف الراهنة لا تسمح ببساطة بدعوة الناس للعودة والمشاركة في جهود إعادة الإعمار، وذلك في ظل غياب المقومات الأساسية اللازمة لتحقيق الاستقرار.
ويرى الموصلي أن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية السكنية يمثل أحد أبرز التحديات، فبالرغم من توفر مأوى لمعظم السكان، لا يزال حوالي 1.3 مليون شخص يقيمون في خيام. كما تعاني مناطق واسعة، لا سيما الريفية، من نقص حاد في المدارس، مما يدفع السكان إلى اللجوء لحلول بدائية لتشكيل صفوف دراسية مؤقتة، وفقًا للموصلي.
وأضاف الموصلي أن العديد من السوريين يترددون في اتخاذ قرار العودة، خاصة وأن قسمًا كبيرًا منهم يعيش خارج البلاد منذ أكثر من عقد من الزمان، مما يعني أن العودة ستستلزم إعادة بناء حياتهم من الصفر، بالإضافة إلى ضرورة تقييم الأوضاع على أرض الواقع قبل اتخاذ أي قرار. وذكر الموصلي أن عودة السوريين إلى وطنهم بعد هذه المدة الطويلة ستخلق فجوة كبيرة في قطاعات حيوية كالمجال الطبي وتكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية.
التقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، وفدًا من أبناء الجالية السورية في ألمانيا، بحضور وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، وذلك خلال زيارته الرسمية إلى ألمانيا في 29 من آذار الماضي. وشمل اللقاء نقاشات مستفيضة حول قضايا سياسية واقتصادية، بالإضافة إلى التحديات التي يواجهها السوريون داخل وخارج البلاد.
وفي هذا السياق، أكد رواد زيادة، مدير اتحاد منظمات السوريين بألمانيا، أن الجالية السورية لا يمكن حصرها بصفة “لاجئين” فقط، بل تشمل شرائح واسعة من المهنيين والعمال والأكاديميين الذين اندمجوا بنجاح في المجتمع الألماني. وأوضح أن العديد من السوريين تمكنوا من الانتقال من وضع اللجوء إلى الإقامة والعمل، وأصبحوا عناصر فاعلة في قطاعات متنوعة، بدءًا من الأعمال اليدوية وصولًا إلى الوظائف الحكومية.
في المقابل، استبعد رواد زيادة حدوث تغييرات سريعة في الوضع القانوني للاجئين نتيجة لهذه الزيارة، موضحًا أن هذا الملف يظل مرهونًا بالقوانين والسياسات الألمانية. وأضاف أن أي عودة جماعية للاجئين في الوقت الراهن قد تُشكل عبئًا إضافيًا على الداخل السوري وتؤثر سلبًا على مساعي إعادة الإعمار، بينما تستمر الإجراءات القانونية بحق المدانين بجرائم جنائية وفق الأطر المعمول بها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة