لبنان: نفوذ حزب الله حقيقة لا يمكن تجاهلها وأي اتفاق مرهون بتوافق إيراني أميركي


هذا الخبر بعنوان "أميركا تعرف جيداً: لا اتفاق في لبنان خارج الاتفاق مع إيران" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى إبراهيم الأمين أن جوزيف عون ونواف سلام ومن يدعمهما في لبنان أو في بعض دول الخليج العربي، قد يفكرون بما يشاؤون حول مستقبل الصراع مع إسرائيل وموقع لبنان في الصراع العالمي الدائر حالياً في منطقة غرب آسيا. إلا أن كل المناورات والتحركات، وحتى ما هو أخطر من التنازلات، لن يغير شيئاً من الواقع. أحياناً، يشعر المرء بضرورة أن يكون قاسياً وصريحاً للغاية في وصف الواقع، وهو ما يقتضيه الموقف الراهن بسبب سلوك ثنائي الوصاية الأميركية – السعودية. في هذا السياق، على عون وسلام ومن معهما، بمن في ذلك الولايات المتحدة والسعودية، أن يدركوا أن أي اتفاق لوقف الحرب مع إسرائيل لن يتم دون موافقة حزب الله. كما أن القرارات الصادرة عن حكومة تفتقر إلى الشرعية الحقيقية لن تكون قادرة على معالجة جوهر المشكلة. وأي اتفاق قد يوقعه أركان السلطة الحالية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو غيرهما، لن يكون قابلاً للتطبيق دون موافقة حزب الله.
إن حزب الله هنا ليس مجرد مجموعة مسلحة مارقة كما يُراد تصويره، بل هو قوة أساسية في لبنان. إنه يمثل أكبر الأحزاب السياسية من حيث التمثيل، والأكثر قوة بحضوره داخل المجتمع. وفوق كل ذلك، هو قوة عسكرية منظمة، تمتلك قدرات كبيرة وعدداً بشرياً كافياً ليس لمواجهة إسرائيل فحسب، بل لكل من يرغب في مشاركة إسرائيل في الحرب.
تكمن مشكلة عون وسلام وغيرهما في عدم رغبتهم بفهم طبيعة الحالة التي يمثلها حزب الله. فهم، على سبيل المثال، لم يتوقفوا عند معنى الصبر الذي مارسه الحزب طوال 15 شهراً. ولم يحاولوا استيعاب كيف أن حزباً كبيراً، يملك عشرات الآلاف من المقاتلين وترسانة ضخمة من السلاح، لم يبادر إلى أي رد فعل عشوائي على الحرب التي شنتها إسرائيل عليه. هل فكر هؤلاء كيف لم يخرج مقاتل واحد، أو مجموعة صغيرة قادرة على الوصول إلى أسلحة معينة، لتوجيه ضربة انتقامية لإسرائيل؟ هل تفهمون معنى ذلك؟ وهل فكرتم كيف أن حزباً تعرض لأكبر ضربة في تاريخه، مع اغتيال عدد كبير من قياداته المركزية وتدمير جزء كبير من مؤسساته، وخرج من حرب الـ66 يوماً ليُشيّع نحو خمسة آلاف شهيد، ويعالج جراح أكثر من عشرة آلاف مقاتل، أدار في الوقت نفسه استجابة اجتماعية واسعة شملت نحو 135 ألف عائلة تضررت من الحرب كلياً أو جزئياً؟ إذا تورط عون أكثر في برنامج الاستسلام فسيُعزل شعبياً وسياسياً، وستكون سلطته فاقدة لأي شرعية وتصبح مقاومتها أمراً واجباً.
هل فكرتم كيف أن حزباً أنفق أكثر من 1.2 مليار دولار في 14 شهراً، دون الحاجة إلى بيع قطعة أرض أو مؤسسة، أو حتى الاستدانة من أموال عدد هائل ممن أودعوا أموالهم وذهبهم لدى مؤسسة «القرض الحسن»؟ هل سمعتم عن انشقاق مجموعة من الحزب، أو استقالة مسؤول بارز، أو خروج فرقة متمردة تريد الانتقام، أو عن نشاط داخلي من النوع الذي يهدد السلم الأهلي؟
هل فكرتم كيف لحزب مثخن أن ينظم، خلال أقل من عام، أربعة احتفالات جماهيرية شارك فيها أكثر من مليون شخص، بدءاً من تشييع الشهيد السيد حسن نصرالله، إلى إحياء الذكرى الأولى لاستشهاده، مروراً بحفل الكشاف في المدينة الرياضية وحفل الهيئات النسائية، وصولاً إلى مئات احتفالات التأبين في كل لبنان… كل ذلك دون أن يمس البنى التحتية للدولة بسوء، ودون التسبب بإحراج لأحد، ولو أن أعداءه خافوا منه؟
ألم تفكروا، أو تسألوا أنفسكم، كيف أن هذه الجهة التي تقولون إنها هُزمت ودُمرت، لم تقفل مؤسسة واحدة في كل الحقول التربوية أو الصحية أو الاجتماعية أو التجارية، وواصلت العمل في مشاريع سابقة، وأنجزت صرحاً طبياً استثنائياً في الضاحية، وعدداً من المراكز الصحية في المناطق، وأعادت ترميم مؤسسة الهيئة الصحية الإسلامية بمعداتها وعديدها، وهي المؤسسة التي تتفوق قدرة وعدداً على وزارات عدة في لبنان؟
هل يوجد في السلطة الحالية من يمكنه الادعاء بأن حزب الله أعاق مهمة الجيش اللبناني في حصر السلاح في منطقة جنوب نهر الليطاني، وهل بينكم من سمع عن اشتباكات بين المقاومين والجيش خلال قيامه بالمهمة؟ هل سألتم كيف لهذه القوة أن تتحمل كل أنواع الملاحقة الأمنية والاستخباراتية، وعمليات القتل والاغتيال والتدمير في كل لبنان طوال 15 شهراً، وتصبر على استشهاد أكثر من 500 شخص، وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف، وتدمير عدد كبير من المنشآت المدنية في أكثر من منطقة، بينما كانت كل مخابرات العالم تنهش شوارع لبنان ومؤسساته الرسمية وتلك التي تسمى «منظمات المجتمع المدني» و«المنظمات غير الحكومية»، ويتجول إسرائيليون علناً في لبنان دون أن يبادر أحد إلى التعرض لهم أو قتلهم أو حتى أسرهم، وكيف سلمت المقاومة الدولة اللبنانية معتقلين كانت تعرف أنهم من إسرائيل ولو كانوا يحملون جنسيات غربية؟
ومن لم يفكر بهذا الأمر، وركن إلى سردية العدو بأن حزب الله انتهى، وأن إسرائيل تنتظر ارتكابه خطأ لتوجيه الضربة القاضية إليه، هو نفسه من كان يعد الساعات، في الأيام الأولى للحرب، بانتظار هجوم إسرائيلي سريع يصل إلى احتلال كامل جنوب لبنان وبقاعه. وهو نفسه من قرر القيام بالدور المنوط به في هذه الحرب، بإدارة أقذر عملية سياسية، من خلال قرارات الحكومة في 2 آذار، والتي شكلت جريمة أخلاقية وسياسية، وستبقى وصمة عار في جبين كل من شارك فيها، طوعاً أو غصباً… كل هذه السلطة كانت تستمع إلى سفير أميركي معتوه، يتحدث عن أيام ثلاثة تتطلبها الحرب مع إيران، وإلى موفد سعودي أكثر تفاهة يدعوها إلى «نسيان شيء اسمه حزب الله» والتفكير في مستقبل لبنان بشكل مختلف، وإلى من يقول لها: لا تخافوا من حزب الله، فهو ضعيف جداً، وفي حال قرر التحرك داخلياً فإن قوات أحمد الشرع تنتظر الإشارة فقط.
إن مشكلة عملاء أميركا وإسرائيل أنهم لا يريدون فهم حقيقة حزب الله ولا قراءة الوقائع، وكل ما يهمهم هو إرضاء الرجل الأبيض. هذه السلطة، هي نفسها التي لم تتعلم من دروس المرحلة السابقة. لدينا رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة وقوى سياسية لا يريدون أن يتعلموا، أو لا يملكون المؤهلات لكي يتعلموا. لكن الأكثر خطورة أنهم جماعة من الأشخاص المتورطين في الحرب على المقاومة. وكل ما شهدناه منذ ستين يوماً يؤكد حقيقة واحدة: إن عون وسلام، ومعهما فرقة من مجانين لبنان، هم عملياً مجرد بيادق يتم تحريكهم من قبل من يقود الحرب الأميركية – الإسرائيلية على لبنان.
ولذلك، فإن استعدادهم – ورغبتهم الكبيرة – للقاء مجرمي الحرب في إسرائيل، تعبير عن قناعة لديهم، قبل أن يكون تعبيراً عن استسلام لإرادة من جاء بهم إلى حيث هم اليوم. إذا ذهب عون للقاء نتنياهو، فلن يبقى رئيساً للبنان، بل سيكون رئيساً منصباً على اللبنانيين بقوة الاحتلال الأميركي – الإسرائيلي، ولا شرعية له في كل ما ينطق به أو يقوم به، ولن يكون محل اهتمام أي لبناني.
وربما من المفيد لفت انتباه عون وسلام، وجوقتهما من المستشارين والمساعدين والمحرضين والمطبلين، إلى ما هو أكثر قساوة من الحقائق الصلبة التي فرضتها هذه المعركة: أولاً، ليس بمقدور هذه السلطة أن تفرض أي شيء على المقاومة، وهي لا تمون على قارئ عزاء في الحزب، ولن يكون بمقدورها ترجمة أي اتفاق توقعه مع العدو. ثانياً، هذه السلطة، ستتحول إلى سلطة احتلال بكامل مواصفاتها، وبالتالي فإن مقاومتها أمر واجب بكل الأشكال والأوقات والطرق. ثالثاً، هذه السلطة، مهما بلغت حماقتها، لن تتمكن من جر الجيش اللبناني أو القوى الأمنية إلى مواجهة مع المقاومة في أي منطقة في لبنان. رابعاً، هذه السلطة لا تملك القدرة ولا النفوذ على فرض وقائع حقيقية في البلاد، بل عليها التفكير بالرحيل دون عناء لو أمكن.
لكن الأهم، وهو ما تعرفه الولايات المتحدة وإسرائيل، أن أي اتفاق له قيمة يوقع في لبنان، لن يكون خارج اتفاق حقيقي يجري مع إيران. وحتى إذا سمعنا عن قرار أميركي مفاجئ يقول إن إسرائيل ستلتزم بوقف إطلاق النار بصورة تامة، وستنسحب من الأراضي المحتلة، فهذا لا علاقة له، لا بنشاط سلطة الاحتلال، ولا برحمة أميركية وإسرائيلية. بل هو جزء من الاتفاق مع إيران. والفارق هو أنه يمكن أن يحصل دون إعطاء العدو أي ثمن مقابله، بينما يريد عملاء أميركا وإسرائيل في لبنان أن يحولوه إلى مقايضة لتوريط لبنان بأثمان… وهذا إن حصل، فستجد هذه السلطة التافهة نفسها وحيدة، غير قادرة على دفع هذا الثمن!
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة