لوحة "وجه المدينة" لأحمد السلمان: حينما تصرخ الذاكرة بصمت الألوان في متحف الشارقة


هذا الخبر بعنوان "“وجه المدينة” عند الفنان أحمد السلمان ..حينما تصرخ الذاكرة بوجه صمت الألوان" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم علي نفنوف
أتوجه إلى هذه الكتابة بصفتي متلقيًا ومتابعًا، لا كناقد أو باحث، فما أدوّنه هنا يخصني وحدي، وقد أردت مشاركتكم به، وقد يكون للفنان قراءات أخرى لا أعرفها. أنا فقط أسجل ما شعرت به حين دخلت المعرض وتوقفت أمام هذه اللوحة للمرة الأولى، وما بقي منها في داخلي بعد تلك اللحظة.
هذه اللوحة، المعنونة بـ "وجه المدينة"، هي إحدى الأعمال التي شارك بها الفنان أحمد السلمان في المعرض السنوي الحادي والأربعين لجمعية الإمارات للفنون، والذي أقيم تحت عنوان "ذاكرة المدن" في متحف الشارقة للفنون.
منذ الوهلة الأولى، شعرت أنني أمام عمل لا يكتفي بسطحه، عمل يحمل في داخله شيئًا أقرب إلى النحت، كأن اللون موضوع على جسد له وزن. هناك حضور واضح لفكرة الرولييف وإحساس بأن الشكل بارز قليلًا يخرج نحوك ثم يعود ليستقر في مكانه. هذا الإحساس يقرب العمل من فكرة الذاكرة كشيء يمكن أن يلمس، كأن المدينة ليست صورة فقط وإنما أثر. وهذا طبيعي في تجربة الفنان أحمد السلمان، كونه نحاتًا يعرف كيف يتعامل مع الكتلة. هذا الوعي يظهر هنا بهدوء في ضربات الريشة، في بناء السطح، وفي الطريقة التي تتشكل بها الخطوط. هناك محاولة مستمرة للجمع بين اللوحة كمساحة وبين المنحوتة كحضور.
ما أراه هنا ليس تجربة عابرة، ولكن فيه إصرار يتكرر في الأعمال، وكأن الفنان يعمل على تكوين ملامح خاصة به. أشعر أننا سنصل مع الوقت إلى لحظة يمكن فيها التعرف على العمل من روحه قبل اسمه، وستكون هذه سمة تحسب له. اللوحة عندي هي ذاكرة مضغوطة داخل وجه، إحساس متراكم أكثر من كونه مشهدًا، لأن اللون هو أول ما يفتح هذا الإحساس. فاللون البرتقالي المائل إلى الصدأ يحمل حرارة هادئة، حرارة زمن طويل مر وترك أثره، لا أشعر أنه لون طازج، فيه شيء من التعب الجميل من البقاء. في المقابل، الأزرق العميق يشتغل بصمت، أراه مساحة تحفظ ما لا يقال، عمقًا يبتعد كلما حاولت الاقتراب، كأن الحكاية موجودة هناك في هذا الأزرق لكنها لا تعطى بسهولة. هذا الجزء يترك في داخلي سؤالًا مفتوحًا ويفضل أن يبقى كذلك.
الملمس عنصر أساسي في هذه التجربة، السطح خشن بطريقة واضحة، مبني على طبقات، على محو وإعادة. هناك أجزاء تبدو وكأنها انكسرت ثم أعيد ترتيبها، هذا يعطيني إحساسًا بأن الزمن حاضر في المادة نفسها، في كل تفصيلة صغيرة. ليس هناك عجلة في بناء اللوحة، بل تراكم مدروس وذكي عبر تجربة طويلة. الوجه في المنتصف مغمض العينين، هادئ بشكل لافت. هذا الهدوء يدفعني للدخول أكثر حتى أشعر أن الرؤية هنا داخلية، مرتبطة بالذاكرة أكثر من الواقع. هناك انقسام خفيف في الملامح يوحي بوجود أكثر من زمن، أكثر من طبقة شعور دون ضجيج، كما في داخل الرأس. تظهر الأقواس والقباب كجزء من التكوين على هيئة عناصر منفصلة وممتدة من الداخل. المدينة هنا تسكن في الإنسان، تختلط بتكوينه وتصبح جزءًا من ذاكرته الشخصية. أما الحركة المحيطة بالوجه، فتمنح العمل نفسًا مفتوحًا وانسيابات خفيفة، كأن الزمن يمر فوق السطح ويترك أثره دون أن يثقل عليه. كل شيء يتحرك بهدوء. عنوان "وجه المدينة" يصلني مباشرة لأن ما أراه ليس مدينة كاملة، وإنما ما تبقى منها في الإنسان، أثرها، ظلها، حكاياها التي لا تختفي. هذه اللوحة تحتاج أن تُقرأ ببطء، وكلما بقيت أمامها أكثر أشعر أنها تفتح مساحة أوسع داخلي بدون ضجيج، فقط حضور هادئ وثقيل في الوقت نفسه.
وفي الختام، أردت مشاركة الأصدقاء والقراء والمتابعين هذه القراءة، تاركًا اللوحة لكم لقراءة المزيد. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة