بانياس: مركز الطاقة السوري يواجه أزمة تلوث بيئي وصحي متفاقمة


هذا الخبر بعنوان "بانياس بين الطاقة والتلوث: كلفة صحية وبيئية متزايدة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه الأنظار نحو مدينة بانياس، التي تُعد أحد أهم مراكز الطاقة في سوريا، في ظل تصاعد مؤشرات التلوث البيئي وما يرافقه من تداعيات صحية واقتصادية خطيرة. فوجود مصفاة النفط والمحطة الحرارية منح المدينة ثقلاً استراتيجيًا في تأمين احتياجات البلاد من الوقود والكهرباء، لكنه في المقابل وضع سكانها أمام واقع بيئي معقد، يتفاقم مع غياب المعالجات المستدامة. وباتت بانياس نموذجًا واضحًا لتداخل المصالح الحيوية مع كلفة بيئية مرتفعة، حيث تتكرر مظاهر التلوث في الهواء والبحر، وتمتد آثارها إلى الأرياف المجاورة، ما يهدد جودة الحياة في المنطقة ككل.
تلوث الهواء: انعكاسات مباشرة على الصحة
تعد الانبعاثات الصناعية أبرز مصادر القلق، إذ تطلق المصفاة والمحطة الحرارية كميات كبيرة من الغازات الكبريتية والجزيئات الدقيقة التي تتراكم في الجو، خاصة خلال عمليات التشغيل الكثيف أو الصيانة الدورية. وتتشكل نتيجة لذلك سحب دخانية سوداء تغطي أجزاء واسعة من المدينة، وتترك آثارًا واضحة على المنازل والمرافق. ويؤكد بعض سكان المدينة أن هذه الانبعاثات لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى جزء من المشهد اليومي، مع ما يرافقها من ارتفاع في معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو والتحسس المزمن. وفي هذا الصدد، تقول مريم عيسى، من سكان بانياس، في حديث لمنصة سوريا 24، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال: “الشرفات والنوافذ مغطاة دائمًا بطبقة سوداء، وأطفالي يعانون من حساسية مستمرة”، مضيفة أن الأطباء يربطون بشكل مباشر بين هذه الأعراض والتلوث الهوائي، ويوصون بالابتعاد عن المنطقة، وهو خيار صعب في ظل الظروف المعيشية الراهنة.
تلوث بحري يضرب سبل العيش
على الساحل، تتجلى أزمة أخرى لا تقل خطورة، حيث تسجل تسربات نفطية متكررة ناجمة عن تقادم البنية التحتية أو خلل في عمليات التفريغ. وتؤدي هذه التسربات إلى تلوث المياه الساحلية، وتلحق أضرارًا مباشرة بالثروة السمكية التي يعتمد عليها عدد كبير من سكان المنطقة. ويشرح عمر أبو خالد، وهو صياد في ميناء بانياس، في حديث لمنصة سوريا 24، أن “التسرب النفطي يعني عمليًا توقف العمل لأيام أو أسابيع”، مشيرًا إلى أن الأسماك تهاجر أو تنفق، بينما تتضرر الشباك والمعدات بفعل الزيوت، ما يضاعف الخسائر ويهدد استمرارية المهنة. كما فقدت الشواطئ جزءًا كبيرًا من قيمتها الترفيهية، إذ لم تعد بيئة مناسبة للتنزه أو السباحة كما كانت في السابق، نتيجة التلوث المتكرر.
آثار بيئية تمتد إلى الريف
ولا تقتصر تداعيات التلوث على المدينة وساحلها، بل تمتد إلى القرى المجاورة مثل القوز والبيضا، حيث يشكو المزارعون من تراجع إنتاجية الأراضي وتضرر الأشجار. ويعزو الأهالي ذلك إلى الترسبات الكيميائية الناتجة عن الانبعاثات، والتي تظهر آثارها على شكل احتراق في أوراق النباتات وتراجع في جودة المحاصيل. وتشير هذه المؤشرات إلى ما يشبه ظاهرة الأمطار الحامضية، التي باتت تشكل تهديدًا إضافيًا للقطاع الزراعي، وتزيد من الضغوط الاقتصادية على السكان المحليين.
فجوة بين الوعود والتنفيذ
رغم طرح خطط متكررة للحد من التلوث، من بينها تركيب فلاتر حديثة وتحديث شبكات الصرف الصناعي، فإن هذه الإجراءات لم تنفذ بالشكل الكافي، بحسب متابعين. وتعزى أسباب ذلك إلى التحديات الاقتصادية وضعف الاستثمارات في البنية البيئية. في المقابل، يطالب السكان بتدخل عاجل يتجاوز الوعود، عبر تفعيل الرقابة البيئية، وإجراء صيانة دورية للبنية التحتية، إلى جانب إنشاء مراكز طبية متخصصة لمعالجة الأمراض المرتبطة بالتلوث، وتقديم تعويضات للمتضررين.
معادلة صعبة بين الطاقة والبيئة
تكشف أزمة بانياس عن معضلة أوسع تتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات إنتاج الطاقة وحماية البيئة. ففي ظل استمرار الاعتماد على المنشآت الحالية دون تحديث كافٍ، تبدو المخاطر مرشحة للتفاقم، ما لم تتخذ خطوات جدية تعيد التوازن بين الدور الاستراتيجي للمدينة وحق سكانها في بيئة سليمة. وبين دخان المصانع وتسربات البحر، يبقى سكان بانياس في مواجهة يومية مع تلوث يتجاوز كونه مشكلة بيئية، ليصبح قضية صحة عامة ومعيشة، تتطلب استجابة عاجلة وشاملة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي