غارات "الردع الأردني" في السويداء: كشف أبعاد اقتصاد المخدرات وتضارب السلطات في الجنوب السوري


هذا الخبر بعنوان "من “خريطة الطريق” إلى “الردع الأردني”… ماذا تكشف غارات السويداء ضد شبكات المخدرات؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يقتصر التحرك الأردني هذه المرة على توجيه ضربة أمنية لشبكات تهريب المخدرات والسلاح على الحدود السورية، بل أُعلن عن العملية تحت مسمى صريح هو "الردع الأردني". هذا التوصيف يشير إلى أن الغارات التي استهدفت ريف السويداء ليل السبت – الأحد، تؤكد استمرار أولوية ملف التهريب للأمن الأردني، وذلك على الرغم من التغيرات السياسية التي طرأت على سوريا عقب سقوط بشار الأسد، ومسارات التنسيق اللاحقة بين عمّان ودمشق. ووفقاً للرواية الأردنية، استهدفت العملية مواقع يستخدمها تجار المخدرات والأسلحة على الواجهة الحدودية الشمالية، بما في ذلك مصانع ومستودعات تُعد نقاط انطلاق نحو الأراضي الأردنية. في المقابل، حددت الروايات السورية والمحلية مسرح الغارات في ريف السويداء، وذكرت تحديداً محيط شهبا وعرمان وأم الرمان وملح، دون أن يصدر عن الجانب الأردني بيان رسمي يوضح الأهداف أو الحصيلة البشرية.
تكتسب هذه العملية أهميتها من توقيتها وموقعها الجغرافي، إذ جاءت بعد أشهر من إطلاق خريطة طريق أردنية – أميركية – سورية تهدف إلى استعادة الاستقرار في السويداء، وفي خضم مسار من التنسيق الأمني والسياسي القائم بين عمّان ودمشق. وبهذا، أعادت الغارات طرح تساؤلين رئيسيين: ما الذي تبقى من اقتصاد المخدرات والسلاح بعد انهيار المنظومة التي اشتهرت بصناعة الكبتاغون؟ وكيف بقيت السويداء، على الرغم من جهود التهدئة والتنسيق السوري – الأردني، مسرحاً لعمليات ردع أردنية مباشرة ضد شبكات السلاح والمخدرات؟
لم يكن اقتصاد المخدرات في سوريا مجرد قرار يصدر عن سلطة مركزية ثم يزول بسقوطها، بل هو شبكة معقدة من المصالح المحلية والعابرة للحدود، التي تشكلت خلال سنوات الحرب. وقد استفادت هذه الشبكة من تآكل مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة وتداخل الأمن مع الاقتصاد غير المشروع. ومن هذا المنطلق، تشير الغارات إلى أن بعض هذه الشبكات لا يزال قادراً على إعادة التموضع ضمن الفراغات التي خلّفها سقوط السلطة القديمة، لا سيما في المناطق التي لم تخضع بعد لسيطرة السلطة الجديدة.
في السويداء، تتخذ هذه الفجوة الأمنية شكلاً أكثر تعقيداً؛ فالمحافظة ليست مجرد منطقة هشة أمنياً، بل هي مساحة واسعة خرج معظمها عن السيطرة الحكومية المباشرة، وتسيطر عليها فعلياً سلطة أمر واقع محلية يتزعمها شيخ العقل حكمت الهجري. وقد شهد خطاب هذه السلطة خلال الأشهر الماضية تصعيداً، بدءاً من رفض عودة الأجهزة الأمنية والمطالبة بترتيبات محلية خاصة، وصولاً إلى الدعوة للانفصال وتشكيل دولة مستقلة، والإعلان عن التنسيق مع إسرائيل، التي يعتبرها هذا الخطاب الجهة المدافعة عن الدروز.
تُضفي هذه الخلفية على العملية بعداً يتجاوز مجرد مكافحة التهريب على الحدود. فالأردن لا ينفذ ضرباته في منطقة مستقرة سياسياً، بل عند نقطة التقاء مسارات متضاربة: سلطة سورية تسعى لاستعادة سيادتها ووحدة أراضيها، وسلطة محلية تحاول ترسيخ واقع خاص بها، ومقاربة إسرائيلية لا تقتصر على خطاب حماية الدروز، بل تندرج ضمن رؤية أوسع تحدث عنها أكثر من مسؤول إسرائيلي بشأن منطقة عازلة لم تُحدد حدودها النهائية بعد. لذا، فإن أي استهداف داخل المحافظة يحمل بعداً سياسياً إضافياً، حتى لو ظل الهدف المعلن مقتصراً على مكافحة المخدرات والسلاح.
يزيد تلقي هذه الضربة من حساسية المشهد. فقد وصفت التغطية الرسمية السورية الغارات بأنها استهداف لمقر يحوي أسلحة ومخدرات تسيطر عليه "عصابات متمردة"، بينما صدر اعتراض علني من "الحرس الوطني" في السويداء، الذي استنكر هذه الضربات. هذا التباين يثير تساؤلات حول حدود الأدوار ضمن معادلة الجنوب: أين ينتهي التنسيق السوري – الأردني، وأين يبدأ الردع الأردني، وكيف تتعامل سلطة الأمر الواقع في السويداء مع عمليات تُنفذ في مناطق نفوذها؟
كان من المفترض أن توفر خريطة الطريق الخاصة بالسويداء إطاراً إقليمياً لإدارة هذه المعضلة من خلال الإجراءات التي تضمنتها. إلا أن الغارات كشفت، على ما يبدو، أن العلاقة بين بنود هذه الخريطة والواقع الميداني لا تزال غامضة؛ فالأردن يساهم في صياغة التهدئة، لكنه يتدخل عسكرياً عندما يرى أن خطر التهريب لم يتراجع، بينما تتحرك دمشق سياسياً ضمن مسار التنسيق، دون وجود فعلي لها على أرض المحافظة. هنا، لا تتعلق المسألة بقوة أو ضعف التنسيق بين عمّان ودمشق، بل بطبيعة المنطقة التي يدور حولها هذا التنسيق. فمكافحة التهريب في السويداء تتحول إلى مساحة تتداخل فيها الترتيبات السياسية المتفق عليها مع وقائع أمنية خارجة عن سيطرة دمشق المباشرة، مما يجعل "الردع الأردني" جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز مجرد ضبط الحدود.
ليست الضربات الأردنية في الجنوب حدثاً طارئاً على هذا المسار. فمنذ عام 2023، تعامل الأردن مع ريف السويداء وامتداداته في درعا كجزء من العمق اللوجستي لشبكات التهريب. غير أن العملية الحالية تتم في ظروف مغايرة: علاقة أكثر انفتاحاً مع السلطة السورية الجديدة، ووجود خريطة طريق خاصة بالسويداء، ومشهد محلي أكثر وضوحاً في خروجه عن سيطرة دمشق. لذا، فإن دلالة هذه الضربات لا تكمن في تكرارها العسكري بقدر ما تكمن في البيئة السياسية التي أحاطت بها.
يؤكد استمرار هذه الضربات أن ملف المخدرات والتهريب سيظل يشكل هاجساً أمنياً للدول المجاورة، وخاصة الأردن، حتى بعد مرور نحو عام ونصف على سقوط النظام السابق. لكنه يكشف، في جوهره، ما هو أعمق من مجرد قضايا حدودية: استمرار التوتر السياسي حول السويداء، وعدم وجود رؤية إقليمية حاسمة للتعامل مع معضلتها، في ظل وجود سلطة مركزية حاضرة سياسياً ومحدودة ميدانياً، وسلطة أمر واقع محلية، وحسابات أردنية وإسرائيلية متداخلة في الجنوب. وبناءً عليه، لم يعد السؤال يدور حول سبب استمرار الغارات الأردنية تحت ذريعة مكافحة المخدرات، بل لماذا لم يؤدِّ سقوط النظام السابق إلى تفكيك البيئة السياسية والأمنية التي تسمح لهذه الشبكات بالبقاء. فالمشكلة لم تعد تقتصر على خطوط التهريب فحسب، بل تمتد إلى فراغ السلطة وتضارب الأجندات، وإلى ما إذا كانت هناك قوى داخلية أو خارجية تجد في استمرار هذا الفراغ فرصة لمواصلة الضغط وإعادة تشكيل معادلات الجنوب.
سوريا محلي
ثقافة
سياسة
سوريا محلي