فروقات أسعار الأدوية في سوريا: تحليل معمق لأسباب التباين بين المنتج المحلي والمستورد وتأثيره على المريض


هذا الخبر بعنوان "ما أسباب الفروقات السعرية بين الأدوية المحلية والمستوردة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه المريض السوري أحياناً حيرة عند اختيار الدواء المناسب، فغالباً ما تتواجد أدوية تؤدي الغاية العلاجية نفسها على الرفوف، لكن بأسعار متباينة، خاصة بين المنتجات المحلية ونظيراتها المستوردة. هذه الفروقات ترتبط بعوامل متعددة تتعلق بطبيعة المنتج، حجم العبوة، أو مصدر الدواء.
في محاولة لفهم هذه الظاهرة، نقلت صحيفة "الثورة السورية" ما يرصده الصيادلة من داخل صيدلياتهم في تعاملهم اليومي مع المرضى وحركة السوق. يوضح الصيدلاني عمر عاتكة، من جديدة عرطوز، أن الأدوية المحلية بشكل عام أرخص من المستوردة، باستثناء بعض الحالات. ويشير إلى أن الأدوية الأساسية، مثل أدوية الضغط والسكر والأمراض المزمنة، تتميز بأسعارها المنخفضة مقارنة بالمستوردة.
ويقدم عاتكة أمثلة عديدة تؤكد ذلك، فبعض أدوية ارتفاع حمض البول المحلية في سوريا يصل سعرها إلى حوالي 10 آلاف ليرة سورية لعبوة تحتوي على ثلاثين حبة، بينما قد تصل مثيلاتها في دول الجوار إلى نحو 150 ألف ليرة، مما يعكس فارقاً سعرياً كبيراً. في المقابل، يلاحظ أن المنتجات التي قد تكون أقل سعراً من المحلي تتركز غالباً في المتممات الغذائية، حيث أن تنوعها الخارجي، خاصة المنتجات التركية، يجعلها أقل تكلفة، بينما تبقى الأدوية المتوفرة في لبنان أو الأردن أو الأجنبية عموماً أعلى سعراً. وتُفسر هذه الحالات غالباً باختلاف طبيعة المنتجات أو مصدرها، بما في ذلك المنتجات غير النظامية أو اختلاف أحجام العبوات.
وأضاف عاتكة أن عوامل عدة تسهم في تحديد الأسعار، منها تكلفة اليد العاملة والتخطيط للإنتاج. فبعض المنتجات مثل الفيتامينات تُستخدم لفترات طويلة، وكان من الممكن إنتاجها بعبوات أكبر. ويضرب مثالاً بـ "الأوميغا" التي تُطرح في سوريا بعبوات تحتوي 30 حبة بسعر خمسين ألف ليرة، بينما تأتي مستوردة بعبوات تضم 100 حبة بسعر مئة وخمسين ألف ليرة، مما يجعلها أوفر عند الإنتاج بكميات أكبر ضمن عبوة واحدة. كما توجد كريمات ومراهم علاجية وتجميلية لحب الشباب والتقشير وما بعد عمليات الليزر، حيث يكون أغلب المستورد منها أقل تكلفة في بعض الحالات المرتبطة بطبيعة العبوة أو مصدر المنتج.
ويلفت عاتكة إلى أن وزارة الصحة تتابع هذا الموضوع وتجري مقارنات مع دول الجوار، وكذلك بين معامل الشمال السوري ومعامل الجنوب، بهدف إيجاد حلول مناسبة. وعن أسباب اختلاف السعر، يوضح أن موضوع التراخيص والتخطيط بعيد المدى، إلى جانب تكاليف الكهرباء والطاقة، كلها عوامل تسهم في تحديد السعر. ويشير إلى أنه في حال إدارة المعامل بشكل مختلف، كإنتاج الأدوية المزمنة بكميات كبيرة ضمن عبوات أكبر، يمكن تخفيض التكلفة، بحيث تُقسم لاحقاً في الصيدليات بطريقة علمية، مما يوفر حتى تكاليف تصنيع العبوات الصغيرة والمواد المستخدمة في حفظ الأدوية. كما أن سعر الصرف وتكاليف النقل والاستيراد تلعب دوراً حاسماً، مؤكداً أن الدواء المحلي متوفر بنسبة تصل إلى نحو 90 بالمئة، بينما يبقى المستورد محدوداً بحسب الطلب والتوفر في الصيدليات.
فيما يتعلق بسلوك المرضى، يوضح الصيدلاني عمر عاتكة أن الاختيار غالباً ما يعتمد على وصفة الطبيب أكثر من السعر، باستثناء بعض الحالات المرتبطة بالوضع المادي أو مستوى الوعي، حيث يلجأ بعض المرضى إلى بدائل يرشحها الصيدلي عند عدم توفر الدواء المطلوب. ويضيف أن المرضى يتعاملون مع فروقات الأسعار بطرق متفاوتة بين التفهم والضغط. ويرى أن هذه الفروقات قد تكون مؤقتة وقابلة للمعالجة، مقترحاً فتح السوق بشكل تنافسي بين الشركات مع رقابة وإشراف من وزارة الصحة، إلى جانب تعزيز نظام التأمين الصحي ونشر الوعي الصحي بين المواطنين، لضمان تغطية عادلة لاحتياجات المرضى وضبط الأسعار.
تظهر انعكاسات هذه التباينات السعرية مباشرة داخل الصيدليات، حيث يوضح محمود بركات أنه واجه في أكثر من مرة فرقاً واضحاً بين بعض الأدوية المحلية ونظيراتها المستوردة، مما يضطره أحياناً لاختيار البديل الأرخص، خاصة في الأدوية غير المزمنة. وفي تجربة مشابهة، تشير رنا الوادي، ربة منزل، إلى أنها لاحظت أن بعض المستحضرات المستوردة، خاصة الفيتامينات والمتممات الغذائية، تكون أقل سعراً من المحلية، مما يدفعها لطلبها مباشرة عند توفرها، مؤكدة أن الفارق السعري يلعب دوراً أساسياً في قرار الشراء في هذه الحالات فقط، عدا ذلك فهي تلتزم بوصفة الطبيب.
في قراءة علمية للواقع الدوائي، توضح الدكتورة هالة شاهين، من كلية الصيدلة في جامعة دمشق، أن الدواء المحلي لا يمكن أن يكون أغلى من المستورد، لأن عملية التسعير تأخذ بعين الاعتبار تشجيع الصناعة المحلية. لكنها تشير إلى أن الدواء المحلي قد يكون أغلى من الدواء الأجنبي غير النظامي (المهرب).
وتفسر الدكتورة شاهين العوامل المؤثرة في تكلفة إنتاج الدواء المحلي، مشيرة إلى أن المواد الأولية مستوردة وتُدفع بالقطع الأجنبي، وبالتالي فإن سعر الصرف وتقلباته تؤثر بشدة عليها. يضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف مصادر الطاقة من الكهرباء والوقود، وارتفاع أجور العمال والضرائب التي تُدفع كتأمينات، فضلاً عن أن عمليات التعبئة والتسويق أصبحت أيضاً مكلفة. وتؤكد أن كل هذه العوامل تؤثر في سعر الدواء المحلي سلباً أو إيجاباً. وتلفت إلى أن ندرة المواد الأولية المحلية تجعل الصناعة الدوائية المحلية تتأثر بتقلبات سعر الصرف بشكل مباشر، مما ينعكس على تكلفة الإنتاج.
وفيما يتعلق بالجودة، تؤكد الدكتورة شاهين أن الدواء المحلي ممتاز ومنافس، وأن العديد من الشركات حاصلة على شهادات "الإيزو"، كما أنه يخضع لرقابة شديدة من وزارة الصحة، مما يعزز الثقة به في السوق المحلية. وتضيف أن ارتفاع السعر داخلياً مبرر اقتصادياً، إلا أنه عند مقارنة الدواء المحلي بنظيره في البلدان الأخرى، يتبين أنه لا يزال منخفض السعر مقارنة بالأدوية في تلك الدول. وتختتم بالإشارة إلى أن دعم الصناعة المحلية يمكن أن يتحقق من خلال الإعفاء من الضرائب، والتخفيف من سعر الكهرباء للمعامل، وزيادة الرواتب، بما يسهم في رفع القدرة الشرائية للمواطن.
في المحصلة، تبقى هذه التباينات السعرية ضمن حدود مرتبطة بعوامل إنتاجية وتسويقية، في وقت يستمر فيه العمل على معالجتها، بما يضمن استقرار السوق الدوائية وتوفير الدواء بجودة مناسبة وأسعار مدروسة تلبي احتياجات المواطنين.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد