طرطوس: أعباء معيشية متفاقمة.. العائلات تحت ضغط الغلاء وتراجع القدرة الشرائية


هذا الخبر بعنوان "طرطوس: مصروف العائلة تحت ضغط الغلاء.. أرقام متباينة ومعاناة تتفاقم" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة طرطوس الساحلية تصاعداً مستمراً في الضغوط المعيشية، وذلك في ظل موجة غلاء متواصلة وارتفاع غير مسبوق في الأسعار. هذا الواقع جعل من "المصروف الشهري" هاجساً يومياً يثقل كاهل الأسر، وسط تدهور حاد في القدرة الشرائية وعجز واضح في موازنة الدخل مع متطلبات الحياة الأساسية. وعلى الرغم من تباين تقديرات السكان لحجم الإنفاق الشهري المطلوب، إلا أنهم يتفقون جميعاً على صعوبة تأمين الاحتياجات الضرورية في ظل تضخم يطال كافة السلع والخدمات.
تقديرات متباينة للمصروف الشهري
في حديثه لمنصة سوريا 24، أوضح عدنان حمد الغسان، وهو موظف حكومي يعيل أسرة مكونة من أربعة أفراد، أن الحد الأدنى للمصروف الشهري بات يتراوح بين 4 و5 ملايين ليرة سورية، وذلك دون احتساب إيجار المنزل. وأضاف أن هذا الرقم يرتفع إلى حوالي 6 ملايين ليرة عند إضافة تكاليف السكن، خاصة مع وصول بدلات الإيجار إلى ما بين مليون ومليون ونصف ليرة شهرياً. وأشار الغسان إلى أن موجة الغلاء لم تعد تقتصر على سلع بعينها، بل شملت "كل شيء"، لافتاً إلى أن الزيوت والسكر واللحوم تعد من أبرز المواد التي شهدت قفزات سعرية هائلة، بالإضافة إلى المحروقات وتكاليف الكهرباء البديلة (الأمبيرات) التي تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسر.
من جانبها، أكدت سميرة المروان، العاملة في القطاع الخاص، في تصريح لمنصة سوريا 24، أن مصروف 3.5 ملايين ليرة لا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة حتى لو كانت تسكن في منزل مملوك. وشددت على أن تكاليف الإيجار، لو كانت موجودة، كانت ستدفع بالعائلة نحو العجز الكامل، موضحةً أن الإيجارات قد تلتهم ما يقارب نصف الدخل، مما يجعل تأمين باقي المتطلبات أمراً بالغ التعقيد. كما أشارت المروان إلى أن الخضراوات الأساسية لم تعد متاحة للجميع كما في السابق، وشهدت مواد التنظيف ارتفاعاً "خيالياً"، الأمر الذي أثر سلباً على مستوى النظافة والصحة في المنازل.
شكاوى الأهالي: أرقام صادمة وتفاصيل معيشية قاسية
تعكس شكاوى أهالي طرطوس تبايناً واسعاً في تقديرات المصروف الشهري، إلا أنها تتفق جميعها على نقطة محورية: العجز عن مواكبة تكاليف الحياة المتزايدة. فبينما يرى أحد السكان أن "مليون ليرة بالكاد تكفي للحد الأدنى من المصروف، مع وصول إيجار المنزل إلى نصف مليون ليرة أو أكثر، وهناك الكثيرون ممن يعتمدون على الدخل اليومي بدلاً من الرواتب الثابتة"، يقدر آخر أن "تكاليف الطعام والشراب والفواتير وحدها قد تبلغ نحو 10 ملايين ليرة لمستوى معيشي فوق المتوسط". ويضيف أن هذا الرقم قد يرتفع إلى 20 مليون ليرة عند احتساب النفقات الإضافية كالمواصلات، المناسبات، الترفيه، الملابس، أو العلاج، مشيراً إلى الأعباء الإضافية التي تتحملها الأسر التي لديها طلاب في جامعات خاصة أو تستعد لتجهيزات الزواج.
وأكد مواطن آخر أن "6 ملايين ليرة لا تكفي عند الأخذ في الحسبان المصاريف الطارئة مثل الأمراض، الإصلاحات المنزلية، أو أعطال المركبات". بينما يرى آخرون أن الحد الأدنى لتغطية الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وغاز وفواتير لا يقل عن 5 ملايين ليرة. وتزداد هذه الفجوة اتساعاً عند التطرق للنفقات غير الأساسية، حيث يشير بعض الأهالي إلى أن "تأمين الملابس أو احتياجات الأطفال أو تكاليف العلاج يتطلب ما بين 8 و10 ملايين ليرة شهرياً". ويقدر البعض الحاجة إلى ما لا يقل عن 600 دولار أمريكي شهرياً لتغطية الاحتياجات الأساسية مع هامش للطوارئ، في حين يرى آخرون أن "5 ملايين ليرة قد تكفي بالكاد، وقد تنخفض إلى مليوني ليرة فقط في حال التقشف الشديد الذي يقتصر على الطعام والشراب دون احتساب الفواتير". وفي سياق متصل، لفت بعض الأهالي إلى أن مصاريف التعليم وحدها تستنزف الميزانية، حيث صرح أحدهم: "نحتاج إلى 5 ملايين ليرة شهرياً لمصاريف الجامعات والمدارس فقط، أما بقية الاحتياجات فقد تحولت إلى كماليات يمكن الاستغناء عنها".
استراتيجيات قاسية للبقاء
في مواجهة هذا الواقع المعيشي الصعب، يضطر سكان طرطوس إلى تبني مجموعة من الحلول التي يصفونها بـ"القاسية" لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش. وتتصدر هذه الحلول الاعتماد المتزايد على الحوالات الخارجية، التي تحولت إلى شريان حياة أساسي للعديد من الأسر، خاصة في ظل تدني الأجور المحلية. كما يتجه عدد كبير من السكان إلى العمل في أكثر من وظيفة يومياً، في محاولة لسد الفجوة بين الدخل والإنفاق، الأمر الذي ينعكس سلباً على الإرهاق الجسدي وتدهور نوعية الحياة. وتفرض سياسة التقشف نفسها بقوة، حيث تتخلى العائلات عن العديد من المواد الغذائية التي كانت تعتبر أساسية في السابق، مثل اللحوم والفواكه والحلويات، وتكتفي بوجبات بسيطة تعتمد غالباً على الحبوب أو الخضراوات الموسمية الأقل كلفة. بالإضافة إلى ذلك، تنتشر ظاهرة الاستدانة عبر "الدفاتر" في المحال التجارية، حيث تتراكم الديون على أمل تحسن الظروف أو وصول حوالات مالية من الخارج.
تضخم بلا سقف ودخل عاجز
يعكس الواقع المعيشي في طرطوس صورة أوسع للأزمة الاقتصادية، حيث تتسارع وتيرة التضخم بشكل مطرد مقابل ثبات أو انخفاض مستويات الدخل، مما يؤدي إلى تآكل مستمر في القدرة الشرائية للمواطنين. وعلى الرغم من تباين الأرقام التي يقدمها السكان حول حجم المصروف الشهري، إلا أن المعاناة تظل واحدة، وتتمثل في عجز الدخل عن مواكبة الأسعار التي تستمر في الارتفاع دون أي مؤشرات على استقرار وشيك. في ظل هذا المشهد، يبقى "المصروف الشهري" رقماً مفتوحاً على احتمالات الزيادة، ومرآة صادقة تعكس حجم الضغوط الهائلة التي تواجهها الأسر، في وقت تتآكل فيه مقومات الاستقرار المعيشي تدريجياً.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي