نساء بلا مساحة خاصة: صراع الخصوصية في ظل الأعراف الاجتماعية والضغوط المعيشية


هذا الخبر بعنوان "“غرفتي ليست لي”.. نساء لا يملكن مساحة خاصة داخل البيت" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تشعر "رهف"، البالغة من العمر 42 عاماً، يوماً بأن غرفتها كانت مساحتها الخاصة. فقبل عدة سنوات، كانت الغرفة التي تنام فيها تشاركها شقيقتها، وتستخدمها والدتها لتخزين أكياس الثياب الصيفية، بينما يدخل إخوتها بلا استئذان بحثاً عن شاحن هاتف أو منشفة، أو لمجرد أن الباب كان مفتوحاً. تقول "رهف" لـ"سناك سوري": «كان عندي غرفة، بس مو إلي كانت مكان للنوم وتخزين الأغراض واستقبال الضيوف أحياناً حتى لما بدي أبكي أو أحكي بالتلفون لازم انطر الكل ينام».
تروي الشابة، التي لديها شقيقة وشقيقان ذكران، كيف كانت غرف المنزل موزعة بينها وبين شقيقتها، وغرفة أخرى لشقيقيها. لكن مع بداية مرحلة الشباب، بدأت الخلافات والمشاكل بين الشقيقين، مما أدى إلى قرار بتحويل البرندة إلى غرفة خاصة للفصل بينهما. وعندما سألت والديها عن سبب عدم حصولها على غرفة مشابهة، كان الرد بأن "الذكور غير الإناث لا يستطيعون الاتفاق دائماً ويحتاجون إلى خصوصية أكثر". لم تقتنع "رهف" بهذا التبرير، لكنها لم تملك خياراً سوى الاستمرار في مشاركة الغرفة مع أختها، على أمل أن تجد الخصوصية بعد الزواج، وهو ما لم يحدث.
بعد الزواج، وجدت "رهف" نفسها تشارك الغرفة مع زوجها، وحتى في أوقات الخصام ومحاولة النوم في غرفة أخرى، لم يكن يُسمح لها بذلك. تقول: "لم أعرف معنى الخصوصية، حتى حين كنت أريد أن أبكي".
لا يبدو أن غياب الخصوصية مرتبط فقط بضيق المنازل أو الظروف الاقتصادية، بل يتعدى ذلك إلى كيفية توزيع المساحات داخلها. ففي كثير من الحالات، تُمنح الغرف المنفصلة للذكور بحجة حاجتهم للاستقلال أو تجنب الخلافات، بينما يُنظر إلى الفتيات على أنهن أكثر "قدرة على التحمّل"، مما يجعل فكرة امتلاكهن لمساحة خاصة أمراً ثانوياً. ومع مرور الوقت، تتحول هذه القناعة إلى قاعدة غير مكتوبة، تبدأ من بيت الأهل وتستمر بعد الزواج، حيث لا تكون للمرأة غرفة تخصها بقدر ما تكون جزءاً من مساحة مشتركة يديرها الآخرون.
"ميس"، وهي أم لطفلين، كانت أوفر حظاً، إذ حصلت على غرفتها الخاصة حين كانت عازبة، كونها الشقيقة الوحيدة لثلاثة أشقاء ذكور. لكن منذ زواجها قبل أربعة أعوام، لم تعد تعرف كيف تبدو فكرة "المكان الخاص". تقول ضاحكة: «أنا آخر وحدة بتنام وأول وحدة بتفيق، المطبخ مو إلي، وغرفة النوم مو إلي، وحتى الحمام إذا طولت فيه دقيقة بيدقوا عالباب»، وتضيف: «أحياناً ورغم التعب بطلع بمشي شوي بس لحس حالي إني لحالي شوي».
لا يقتصر غياب المساحة الخاصة على الجانب المادي فقط، بل ينعكس أيضاً على الحالة النفسية. فبالنسبة لكثير من النساء، لا يتعلق الأمر بجدران أو باب يغلق، بل بلحظة صمت أو مساحة آمنة يمكن البقاء فيها دون مراقبة أو مقاطعة. ومع غياب هذه المساحة، يصبح التعب اليومي مضاعفاً، وتتحول أبسط الحاجات مثل البكاء أو إجراء مكالمة خاصة إلى أمر مؤجل أو مستحيل.
تناولت دراسة أجنبية نشرت في عام 2022 العلاقة بين ضغوط الوالدية والرضا الزوجي لدى الأمهات، مسلطة الضوء على دور "الميل للوحدة" كمنظم يخفف من الآثار السلبية لضغوط التربية. وخلصت النتائج إلى أن الأمهات اللواتي يمارسن "الوحدة الاختيارية" يواجهن احتراقاً نفسياً أقل، ويتمتعن بصحة زوجية أفضل، نظراً لفاعلية هذا الوقت في إعادة شحن الموارد النفسية وتقليل "الفيضان العاطفي".
ورغم أن مشكلة غياب الخصوصية والاستقلال لدى النساء ليست جديدة بالكامل، إلا أن الأزمة المعيشية التي يعيشها السوريون اليوم، حيث يقع أكثر من 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، ساهمت في تعميقها بشكل واضح. فمع ارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة على الاستقلال السكني، باتت عائلات أكثر تعيش في مساحات أصغر أو مشتركة، ما جعل الخصوصية، خصوصاً للنساء، أمراً يصعب تحقيقه.
بين ضيق المساحات وثقل الأدوار اليومية، تبدو الخصوصية بالنسبة لكثير من النساء في سوريا مطلباً مؤجلاً أكثر منه حقاً بديهياً، يبدأ من غرفة في بيت العائلة، ولا ينتهي بالضرورة عند باب بيت الزوجية.
سوريا محلي
سوريا محلي
اقتصاد
سياسة