تجدد الجدل حول إلغاء عيد الشهداء في 6 أيار: صراع على الذاكرة الوطنية وتحويل المناضلين إلى متآمرين بقرار رسمي


هذا الخبر بعنوان "6 أيار يعيد الجدل حول إلغاء عيد الشهداء .. كيف يتحوّل المناضلون لمتآمرين بقرار رسمي؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول السادس من أيار، يتجدد الجدل حول قرار الحكومة السورية الصادر العام الماضي بإلغاء اعتبار "عيد الشهداء" عطلة رسمية في البلاد. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل أثار تساؤلات عميقة حول إعادة تعريف الذاكرة الوطنية ومفهوم الانتماء.
في هذا السياق، يرى رئيس حركة البناء الوطني، "أنس جودة"، أن إلغاء هذه المناسبة يتجاوز كونه قراراً إدارياً ليصبح إلغاءً لفكرة مركزية وإعادة كتابة لها، وهي فكرة الانتماء نفسها، ومن يحق له أن يكون جزءاً من "نحن". واعتبر "جودة" أن عيد الشهداء لم يكن مجرد ذكرى لإعدامات عام 1916، بل كان لحظة تأسيس لفكرة مجتمع سياسي واحد يتساوى أفراده في حق الانتماء، ويكرم من يضحي من أجله كجزء من الكل. وأشار إلى أن ما يحدث اليوم ليس مجرد إلغاء مباشر لهذه الفكرة، بل تفكيك وتحطيم لها من الداخل، حيث لم تعد الشهادة مفهوماً جامعاً، بل تحولت إلى معيار فرز على أساس الانتماء، يظهر من خلال من يُحتفى به ومن يُهمّش ومن يُدرج في الذاكرة الرسمية ومن يُدفع خارجها.
من جانبها، اعتبرت الباحثة السورية "سالي عبيد" أن قرار إلغاء العطلة في عيد الشهداء يمثل الفصل الأول من معركة أعمق تستهدف هوية سوريا والمنطقة والذاكرة الوطنية. وصفت "عبيد" هذه المعركة بأنها بين مشروع حضاري يؤمن بالوعي والدولة والتعددية والحرية، ومشاريع أخرى تقوم على التبعية العقائدية أو السلطوية أو الإقليمية، وتعتبر الإنسان الحر خطراً يجب تدجينه أو إسكات صوته. وأوضحت أن السلطات العثمانية حينها لم تعدم قادة عسكريين بقدر ما أعدمت صحفيين ومثقفين ومحامين وشعراء وأطباء، مؤكدة أن شهداء السادس من أيار كانوا من أوائل من دفع ثمن مقاومة أعداء الحضارة في هذا الشرق.
بدوره، كتب الناشط "رامي فيتالي" في هذه الذكرى، مشيداً بالشهداء الذين قضوا حياتهم في سبيل بناء وحماية الوطن، داعياً إلى الاقتداء بهم. واختتم "فيتالي" بالقول إن من ينكر الجميل والتضحيات سيلفظه التاريخ بدون احترام.
أما البرلماني السوري السابق "محمد حبش"، فرأى أن يوم الشهداء هو اليوم الذي تقدم فيه أحرار الشام وأبرارها طلباً للحرية في مواجهة طاغية لا يرحم، فنصب لهم مشانق الموت عام 1916. ووجه "حبش" تحيته لـ"شهداء 6 أيار" مرتين: الأولى لفدائهم وبسالتهم وجهادهم، والثانية ضد الإنكار الذي واجهتهم به ثقافة غريبة قالت لا مكان لهم بين الشهداء لأنهم ناضلوا من أجل قوميتهم وأوطانهم وليس من أجل أديانهم، معتبراً أن الجهاد في سبيل الله ليس محض كفاح يبذل فيه الإنسان الروح لخدمة الرب، والله غني عن العالمين.
إن إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية لم يمر قرار إلغاء العطلة الرسمية وإحياء "عيد الشهداء" في السادس من أيار كل عام دون أن يشعل موجة واسعة من الجدل العام الماضي، والتي تتجدد اليوم. وقد أبدى ناشطون مخاوف مما اعتبروه إعادة تشكيل للذاكرة الوطنية الجمعية بناءً على توجهات السلطة الجديدة وتحالفاتها، في إشارة إلى أن إلغاء الاحتفال بالعيد كان بمثابة محاباة لـ"تركيا".
لطالما كان الاحتفال السنوي بذكرى الشهداء جزءاً من الرواية الوطنية لتاريخ البلاد الحديث، وتوثيقاً لنضالات السوريين من أجل الاستقلال، والثمن الذي دفعته النخبة السورية في سبيل تحقيق الاستقلال عن الدولة العثمانية ونيل الحرية. إن إنكار هذه التضحيات يعتبر محاولة لطمس التاريخ وإعادة بناء سرديات جديدة تتوافق مع توجهات الحكم الجديد، خاصة وأن الأمر لم يتوقف عند إلغاء العطلة فحسب، بل ذهب إلى اعتبار "شهداء أيار" مجموعة من المتآمرين وإدراج هذه الفكرة في مناهج التاريخ وتعليمها للأجيال.
يعود أصل عيد الشهداء إلى السادس من أيار، وهو ذكرى المجزرة التي ارتكبها الوالي العثماني "أحمد جمال باشا"، الملقب بـ"السفاح"، بحق 21 مناضلاً تم إعدامهم فجر 6 أيار 1916. كانت المحكمة العرفية التي أقامها "أحمد جمال باشا" في "عالية" قد أصدرت أحكامها الجاهزة على المتهمين دون الاستماع لدفاعهم أو تحقيق أدنى شروط المحاكمة العادلة. وفشلت مساعي "الشريف حسين بن علي" للتوسط لدى الصدر الأعظم، ولم تثمر لقاءات الأمير "فيصل بن الحسين" الثلاثة مع الوالي العثماني عن أي مراجعة لأحكام الإعدام.
أطلقت السلطات العثمانية يد "السفاح" في البلاد السورية، وأصدرت قوانين تسمح لقادة الجيش بتنفيذ أحكام الإعدام بشكل عاجل دون العودة إلى السلطات المركزية في "إسطنبول". وعندما فشل "أحمد جمال" في حملتيه العسكريتين على "مصر" لاحتلالها وانتزاعها من الإنكليز، فيما يعرف محلياً بحرب "سفر برلك"، حمّل العرب مسؤولية الهزيمة. ووجه "السفاح" تهمة العمالة لمجموعة واسعة من المثقفين والسياسيين العرب، واتهمهم بالعمل على الانفصال عن الدولة العثمانية. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن "السفاح" نفسه كان يمتلك نوايا لفصل "سوريا" عن الدولة العثمانية وتنصيب نفسه حاكماً عليها، فكان يعمل على توطيد حكمه بقمع كل نشاطات الزعماء الوطنيين والمثقفين العرب. ولم يكن لرجال العلم والفكر الذين اتهمهم "السفاح" أي نشاطات عسكرية، بل كانت دعواتهم سلمية تتسلح بالعلم والثقافة والنشاط السياسي السلمي.
تم نقل 7 من المناضلين السوريين إلى ساحة "المرجة" بـ"دمشق"، و14 آخرين إلى ساحة "البرج" بـ"بيروت"، حيث كانت مشانق "السفاح" تنتظرهم. وقد تحول اسم الساحتين لاحقاً إلى ساحة "الشهداء" تخليداً لذكرى الحادثة. وكان "السفاح" قد أعدم 11 مناضلاً من دعاة الإصلاح في "بيروت" قبلها بنحو عام، وتحديداً في 21 آب 1915، في مقدمة للمجزرة التي ارتكبها لاحقاً. وصبيحة 6 أيار، استيقظ أهالي الشام على الفاجعة التي فقدوا فيها خيرة المثقفين والوطنيين والأحرار العرب الذين واجهوا مصيرهم ببسالة، ولم يتراجعوا عن انتمائهم للبلاد والدفاع عن هويتها أمام الوالي القادم من "جمعية الاتحاد والترقي" التي بدأت بفرض سياسة التتريك واضطهاد العرب في بلادهم. وشكّل إعدام المناضلين العرب في 6 أيار سبباً رئيسياً لقيام الثورة العربية ضد العثمانيين في حزيران من العام نفسه، وأشعلت شرارة إعدامهم نار الغضب في نفوس السوريين والعرب ضد الاحتلال العثماني.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة