تحليل مالك الحافظ: حل الأمانة العامة للشؤون السياسية في سوريا.. هل يفتح باب الانفتاح أم يعيد ترتيب الأدوات؟


هذا الخبر بعنوان "عن حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال رأي بقلم مالك الحافظ، إذا صحت الأنباء المتداولة عن حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية في سوريا، فإن هذا القرار يستدعي قراءة متأنية لفهم ما يكشفه عن طريقة إدارة المجال العام خلال المرحلة الانتقالية. فالأهم من مصير الأمانة نفسها هو المنطق الذي أوجدها ومنحها صلاحيات واسعة في إدارة النشاط السياسي الداخلي.
لا يكفي مجرد إنهاء وجود مؤسسة أثارت الجدل كي يتحول ذلك إلى انفتاح سياسي فعلي، ما لم يأتِ ضمن مسار واضح يهدف إلى فتح المجال العام، وإطلاق الحياة الحزبية، وضمان استقلال المجتمع المدني، وبناء مؤسسات رقابية وتشريعية قادرة على مساءلة السلطة ومراجعة قراراتها وتحديد حدود صلاحياتها أمام الرأي العام.
منذ إحداث الأمانة العامة للشؤون السياسية في شهر آذار من العام الفائت، أثار موقعها داخل وزارة الخارجية وأسلوب تحديد صلاحياتها انطباعاً بأنها تعكس الطريقة التي ترغب السلطة الانتقالية في اعتمادها لإدارة السياسة داخل سوريا. فقد حصلت الأمانة على مهام تتصل بالإشراف على النشاطات والفعاليات المجتمعية أو ذات الحضور السياسي العام، والمشاركة في صياغة ورسم السياسات والخطط العامة المتعلقة بالشأن السياسي، وإعادة توظيف أصول حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية والمنظمات واللجان التابعة لها بعد حلّها.
هذه الصلاحيات تفتح مباشرة ملف حدود السلطة التنفيذية، وحق المجتمع السوري في التنظيم السياسي، وتثير المخاوف من استخدام خطاب التنظيم لضبط أي تحرك مستقل خارج الحدود التي ترسمها السلطة.
يعيد لنا ملف حلّ الأمانة التأكيد على أن جوهر الاعتراض عليها كان مرتبطاً بالطريقة التي تعاملت بها مع النشاط السياسي المفترض في سوريا من موقع الوصاية المسبقة والإدارة المركزية. فقد كانت الأمانة تحدد المقبول والمرفوض، وتفرز النشاط العام بين ما يدخل في خانة العمل الوطني وما يوضع تحت الشك والمتابعة. ولذلك، فإن حلّها لا يعالج أصل المشكلة ما دام حق التنظيم السياسي والمدني غير محكوم بضمانات واضحة، وما دامت السلطة التنفيذية قادرة على تحديد حدود النشاط العام وفق تقديرها، من دون قواعد ديمقراطية ملزمة تحمي حق السوريين في المشاركة والتنظيم والمساءلة.
لقد أثارت الأمانة العامة للشؤون السياسية كثيراً من الريبة لأنها ظهرت في مرحلة تغيب عنها الحياة الحزبية المفتوحة، ويتأخر فيها قانون الأحزاب، وتضعف فيها الضمانات المستقلة لحرية التنظيم. كما لا تملك المؤسسات القائمة قدرة حقيقية على حماية النشاط المدني من تدخّل السلطة التنفيذية. ومع هذا الفراغ السياسي والقانوني، يصبح إشراف جهة رسمية على السياسة مصدر قلق مشروع، لأن السياسة تحتاج إلى قواعد دستورية وقانونية تضمن حق المشاركة، وتحمي التعددية، وتضع حدوداً واضحة أمام احتكار المجال العام باسم المصلحة الوطنية أو مقتضيات المرحلة.
إن حلّ الأمانة، لو تأكد رسمياً، قد يخفف من العبء السياسي الذي راكمه وجودها، لكنه لا يقدم جواباً كافياً عن القضايا التي تحكم المرحلة الانتقالية. فالديمقراطية لا تحضر بمجرد إلغاء مؤسسة مثيرة للجدل، ولا تنشأ الحياة السياسية من قرار وزاري ينهي جسماً سبق أن منحته السلطة صلاحيات فضفاضة. وإنما تبدأ من اعتراف واضح بحق السوريين في المشاركة الحرة، وبحقهم في بناء أطرهم السياسية والمدنية، وممارسة التنظيم والتعبير والمساءلة من دون وسيط رسمي يحدد لهم حدود الحركة أو يمنحهم الإذن بها.
كذلك تفتح تجربة مجلس الشعب المعيّن جانباً آخر من المشكلة، فالمؤسسة التي يفترض أن تمنح المرحلة الانتقالية وظيفة تشريعية ورقابية لم تتحول حتى الآن إلى سلطة قادرة على مساءلة الحكومة الانتقالية أو ضبط قراراتها أو تمثيل التعدد السياسي في المجتمع. ومع غياب هذا الدور، يصبح حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية إجراءً محدود القيمة داخل مشهد يعاني فراغاً واسعاً بالأصل في التمثيل والرقابة والحياة السياسية المنظمة.
تحتاج سوريا اليوم إلى حياة سياسية واضحة القواعد، مفتوحة أمام التنظيم الحزبي والمدني، ومحمية بضمانات قانونية تمنع أي سلطة من التحكم بإيقاع المجتمع أو تحديد حدوده السياسية وفق تقديرها. ويبدأ ذلك بإصدار قانون أحزاب يضمن التعددية ويمنع تحويل الترخيص إلى أداة فرز أمني أو سياسي، وبفتح المجال أمام النقابات والمنظمات المدنية والمبادرات العامة، وبإقرار استقلال القضاء، وبإنشاء هيئات رقابية خارج هيمنة السلطة التنفيذية، وبضمان حرية الإعلام وحق الصحفيين والباحثين في مساءلة القرارات العامة من دون تخوين أو ملاحقة أو وصم.
إن أنباء حلّ الأمانة تعكس مقدار الارتباك الذي رافق محاولة إدارة المجال السياسي من خلال مؤسسة واسعة الصلاحيات وغامضة الموقع. لكن القرار لا يغيّر شيئاً في طبيعة العلاقة التي ترسمها السلطة الانتقالية مع المجتمع ما دام النشاط السياسي محاطاً بقيود غير معلنة، وما دام القانون غائباً عن تنظيم حق السوريين في تأسيس الأحزاب والنقابات والمبادرات المدنية. فالمشكلة لا تبدأ من مؤسسة محددة ولا تنتهي عندها، وإنما من سلطة تحتفظ لنفسها بحق تحديد المجال المسموح للحركة العامة، وتترك المجتمع في موقع الانتظار أمام قرارات تصدر من أعلى وتعيد تشكيل السياسة وفق حاجات السلطة.
عموماً، تستطيع السلطة الانتقالية أن تبرهن جدية مختلفة حين تذهب إلى ما هو أبعد من حلّ الأمانة، عبر إعلان جدول واضح ومحدد وفعلي لفتح الحياة الحزبية، وتفعيل مؤسسة تشريعية ذات صلاحيات رقابية حقيقية، وتمكين هيئات مستقلة من مراقبة عمل السلطة، وضمان استقلال المجتمع المدني، وإطلاق حوار سياسي ومجتمعي واسع ومتعدد لا تحتكره السلطة ولا تصوغ نتائجه مسبقاً. ومن دون ذلك، سيبقى القرار محصوراً في إعادة ترتيب إدارة المجال السياسي، وسيبقى السوريون أمام المشكلة نفسها، حيث تتغير الأدوات وتظل السياسة مقيدة بحدود الحركة التي تسمح بها السلطة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة