فجوة الدخل والإنفاق: المواطن السوري في مواجهة تحديات المعيشة اليومية


هذا الخبر بعنوان "كيف يفاوض المواطن يومه؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يذهب سامر الحلبي إلى عمله في وزارة العدل حاملاً في ذهنه الكثير من التساؤلات، فمع بداية كل يوم، تبدأ سلسلة من الحسابات الدقيقة: كم ستكلفه المواصلات؟ هل يحتاج إلى شحن رصيد هاتفه؟ وهل ما تبقى من نقود يكفي حتى نهاية الأسبوع؟ يقول لـ «الثورة السورية»: «أحياناً أصل إلى العمل وقد صرفت ربع ما أملكه لمصروف اليوم». هذا المشهد يتكرر بصيغ مختلفة، حيث لم يعد الراتب معياراً للاستقرار، بل تحول إلى رقم ثابت في ظل واقع اقتصادي متحرك تتبدل فيه الأسعار بسرعة، بينما يبقى الدخل عاجزاً عن ملاحقة هذا الإيقاع المتسارع، ما يدفع الأفراد إلى إدارة حياتهم بمنطق «اليوم بيومه».
في هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل في حديثه لـ«الثورة السورية» أن المشكلة لم تعد تقتصر على انخفاض الرواتب، بل باتت في اتساع الفجوة بين دخل شبه ثابت ونفقات تتزايد باستمرار، ما أفقد الراتب دوره التقليدي وحوّله إلى مساهمة محدودة ضمن معادلة معيشية أكثر تعقيداً.
رصدت «الثورة السورية» عدة آراء لموظفين حول كيفية التصرف بين الفجوة والراتب. ومنهم وفاء سليمان (47 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، تقف أمام أحد المحال التجارية وبيدها ورقة صغيرة كتبت عليها احتياجات المنزل. تبدأ السليمان بالحذف من قائمتها قبل أن تبدأ الشراء بعد سؤالها عن الأسعار، قائلة: «هذه القائمة أضعها حسب الحاجة ثم أعدّلها حسب السعر، وأحياناً بعد تردد ألغي نصفها». وتضيف أن المشكلة لم تعد في سلعة واحدة، فقد تحولت إلى تراكم التكاليف من ربطة الخبز والخضار وأجرة النقل وفواتير الخدمات (كهرباء – ماء – إنترنت). كل بند يبدو صغيراً بمفرده، لكنه مع نهاية الأسبوع يتحول إلى عبء يصعب احتماله. وهنا يشير المغربل إلى أن الأسرة السورية تواجه ضعفاً في الدخل، واختلالاً واضحاً في قدرتها على موازنة الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وهو ما يفسر انتقال الناس من نمط الاستقرار النسبي إلى نمط التدبير اليومي القائم على الحساب الدقيق لكل نفقة.
بدوره، يؤكد أحمد النعمان، الموظف في وزارة السياحة، أن الراتب يغطي بالكاد الأيام الأولى من الشهر، وبعدها تبدأ مرحلة «التدبير» من تقليل الكميات، تأجيل الشراء، أو البحث عن بدائل أقل تكلفة، ويوضح: «نعيش على مبدأ الأولويات، لكن حتى الأولويات لم تعد كلها ممكنة».
أمام هذا الواقع، تحولت فكرة العمل الإضافي من خيار إلى ضرورة ملحة. ومن خلال استطلاع «الثورة السورية» للآراء، تبين أن الكثير من الأشخاص يبحثون عن أي فرصة لزيادة دخلهم، حتى لو كانت مؤقتة أو غير مستقرة. فمن يعمل في وظيفة صباحية، قد يقضي المساء في عمل آخر أو يعتمد على مهارة بسيطة لتحصيل دخل إضافي. لينا مسعود، خريجة من كلية الاقتصاد، تقول: «أعمل صباحاً في مكتبة للخدمات الطلابية ومساء في إعداد حلويات منزلية أبيعها عبر الإنترنت»، وتشير إلى أن الدخل الإضافي «ليس لتوفير الرفاهية، لكنه يجعلني أستمر».
في المقابل، تتبع ربات المنزل سياسة تقليص المصاريف إلى أقصى حد، ومنهن ابتسام محمود من منطقة المزة بدمشق، التي تقول: «أحاول التخفيف من استهلاك الكهرباء، كما ألغيت كل النشاطات الترفيهية حتى الزيارات العائلية التي كانت جزءاً من الروتين الاجتماعي باتت مرتبطة بالقدرة على تحمل تكاليفها». كذلك، أصبحت الديون حاضرة في تفاصيل الحياة، ليس عبر البنوك إنما من خلال الأصدقاء أو أصحاب المحال. يقول محمد حمود، صاحب محل صغير في حي شعبي في منطقة المزة: «أغلب الزبائن يطلبون تسجيل المشتريات، والدفع مؤجل»، ويوضح: «نحن وهم في نفس الدائرة».
يعلق المغربل على هذا المشهد بالقول: إن ما يجري هو لجوء واسع إلى «اقتصاد التكيّف القسري»، حيث تحاول الأسر تعويض ضعف الدخل عبر أدوات غير مستقرة، مثل العمل الإضافي أو الاستدانة، وهذه الحلول «تخفف الضغط مؤقتاً لكنها لا تعالج أصل المشكلة، بل تؤجلها».
هذا الضغط انعكس بوضوح على طريقة الاستهلاك، وأصبح السؤال «ما الأرخص؟» بدلاً من «ما الأفضل؟». فكثير من العائلات تخلت عن علامات تجارية اعتادت عليها، واتجهت إلى بدائل أقل جودة لكنها أقل سعراً. ومن خلال أصحاب المحال، نرصد هذا التحول، حيث يوضح الحمود أن الزبون يشتري اليوم بنصف كيلو وأحياناً أقل، حتى المواد التي كانت تُشترى بشكل دوري أصبحت تُستهلك بحذر. ويرى المغربل أن الأخطر من تراجع القدرة الشرائية هو أن المجتمع بدأ يغير نمط استهلاكه بشكل عميق ومستمر، حيث أصبحت الأسر تعيد تعريف أولوياتها بالكامل، فتؤجل بعض الحاجات، وتستبدل أخرى، وتتخلى عن بنود كانت تعتبر سابقاً أساسية أو شبه ثابتة. وهذا التحول يعبر عن تغير في السلوك الاقتصادي للأفراد تحت ضغط طويل الأمد، ومع استمرار هذا النمط، يصبح الاستهلاك محكوماً بمنطق البقاء لا بمنطق الجودة أو المنفعة أو حتى الحاجة الطبيعية.
يمضي المواطن السوري يومه محتالاً بين راتب ثابت وأسعار متحركة، ليتحول راتبه من أداة تخطيط إلى وسيلة بقاء يومية، نتيجة الفجوة بين الدخل والنفقات، يعاد فيها تعريف الاحتياجات وتختفي الكماليات.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد