سوريا ما بعد التحرير: دبلوماسية استراتيجية نحو السلام والاستقرار الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "الدبلوماسية من أجل السلام.. كيف تنتهج سوريا الحوار والتعاون لإحلال الاستقرار؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني، أيمن الصفدي، خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، أن المجتمع الدولي يدعم استقرار سوريا وسيادتها الكاملة على أراضيها. وأشار الصفدي إلى أن سوريا الجديدة، بعد 14 عاماً من الحرب والدمار، عازمة على بناء دولتها وتجنب الدخول في أي نزاعات، داعياً الاحتلال “الإسرائيلي” إلى وقف اعتداءاته المستمرة على سوريا وانتهاكه للقانون الدولي، ومبيناً أن “إسرائيل” تصر على مواصلة اعتداءاتها وتوسعها باحتلال الأراضي السورية واللبنانية، ما يمثل تحدياً كبيراً للأمن والاستقرار في المنطقة العربية.
وفي جلسة رفيعة المستوى على هامش النسخة الخامسة من المنتدى، تحت عنوان “الشراكات الناشئة في مجال الوساطة الدولية من أجل السلام”، أوضح الدكتور محمد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي، وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية، أن التصعيد يؤدي حتماً إلى تعقيد البيئة الدبلوماسية وتصلب المواقف، ويعمق فجوات انعدام الثقة، ويحول الأولويات نحو الاعتبارات الأمنية الآنية بدلاً من الحلول السياسية طويلة الأمد. كما يمكن أن يفاقم التحديات اللوجستية ويحد من فرص الانخراط المباشر، ويخلق ضغوطاً متزايدة على الأطراف المعنية.
وتحتفل الأمم المتحدة في الرابع والعشرين من نيسان من كل عام باليوم الدولي لتعددية الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام، الذي أقر في الثاني عشر من كانون الأول 2018 بتصويت أغلبية 144 عضواً في الجمعية العامة. ويهدف هذا اليوم إلى تعزيز ودعم الركائز الأساسية الثلاث للأمم المتحدة: التنمية المستدامة، والسلام والأمن، وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى الدفاع عن قيم التعددية والتعاون الدولي والحفاظ عليها.
ويؤكد ميثاق الأمم المتحدة وخطة التنمية المستدامة لعام 2030 أن الحفاظ على قيم التعددية والتعاون الدولي، التي يقوم عليها الميثاق، أمر أساسي ومحوري لتعزيز الالتزام بالمعايير الدولية والنظم والقواعد التي قادت علاقات الدول لعقود، وذلك في مواجهة الانعزالية والتحديات المتزايدة الناجمة عنها، وإعادة التأكيد على مبادئ حل النزاعات بين الدول بالوسائل السلمية.
وفي رسالته خلال الاحتفال بهذا اليوم عام 2025، أبرز الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حقيقة أساسية مفادها أنه لا يمكن لأي بلد أن يحل تحديات اليوم بمفرده، مضيفاً أن “الحوار والدبلوماسية والحلول المتعددة الأطراف توفر أضمن طريق يفضي إلى عالم سلمي وعادل”. وتابع غوتيريش أن هذه المثل الأبدية تمثل أساس ميثاق الأمم المتحدة، وتقود الجهود العالمية لصون حقوق الإنسان وصياغة الأمل والازدهار والسلام لجميع الشعوب. لكنه أشار إلى أن النزاعات والكوارث المناخية والفقر وعدم المساواة تضع عقبات هائلة أمام الدبلوماسية والحلول المتعددة الأطراف، حيث يستهلك التنافس التعاون وتتجاوز الانقسامات المستمرة الحوار.
وأوضح الأمين العام أن الدبلوماسية والنظام متعدد الأطراف تأسسا لمثل هذه اللحظات تحديداً، مؤكداً الحاجة إلى إحياء روح جديدة من التعاون العالمي لإعادة بناء الثقة، ورأب صدع الانقسامات، ووضع البشرية على طريق السلام. ودعا غوتيريش جميع الحكومات والقادة إلى عدم ادخار أي جهد لرأب صدع الانقسامات وتجديد الحوار والثقة وتهيئة مستقبل ينعم بالسلام.
تعد الدبلوماسية أداة أساسية في إدارة العلاقات الدولية المعقدة، والعمل على استقرار العالم من خلال الحوار المباشر. وقد شكل استخدام الدبلوماسية من أجل السلام الدافع لإنشاء الأمم المتحدة عام 1945. وفي العام ذاته، تم اعتماد ميثاق الأمم المتحدة، “المعاهدة التأسيسية للمنظمة”، بهدف “إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت التهديدات التي يتعرض لها السلام والأمن واتخذت أشكالاً جديدة.
وتؤكد الأمم المتحدة أنها تواصل دورها في الدبلوماسية من أجل السلام، من خلال أدوات متعددة للتفاوض والوساطة وتعزيز التعاون، بما في ذلك المساعي الحميدة التي يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة، بين الدول وداخلها، مع تمسك المنظمة الدولية بالمبادئ التي تهدف إلى حماية البشرية، ولا سيما عدم استخدام القوة، والتسوية السلمية للنزاعات، والتعاون والمساواة في السيادة بين الدول. وتعد الدبلوماسية من أجل السلام ديناميكية ومعقدة في كثير من الأحيان، ويعتمد التقدم فيها على الثقة والتضامن والعالمية.
وتتمحور أدوات الأمم المتحدة لهذه الدبلوماسية حول مجلس الأمن، المكون من 15 عضواً، الذي يحقق في التهديدات، ويحشد الإرادة السياسية للتوصل إلى حلول سلمية، وينشئ عمليات السلام، إلى جانب فرضه عقوبات وقيوداً أخرى على أطراف النزاع. وتتضمن آليات الدبلوماسية من أجل السلام الوساطة والمفاوضات، من خلال تقديم منصات للحوار المباشر بين أطراف النزاع، والدبلوماسية العامة عبر تعزيز التفاهم وبناء الثقة بين الشعوب، والمسارات المتعددة من خلال استخدام دبلوماسية المسار الثاني، غير الرسمي، لتمهيد الطريق أمام المفاوضات الرسمية.
منذ تحرير البلاد في الثامن من كانون الأول 2024، انتهجت الدبلوماسية السورية نهجاً منفتحاً على الجميع خدمة لمصالح الشعب السوري، مع التركيز على إحلال الأمن والاستقرار داخلياً وخارجياً. وفي هذا السياق، قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، إن الدبلوماسية تمثل “هدية مستمرة” للعالم، كونها توفر أدوات دائمة لتخفيف حدة الأزمات ومنع الانزلاق نحو المواجهات العسكرية. وأضاف باراك، في تصريحات صحفية في 17 نيسان الفائت، أن العالم يعيش مرحلة تتسم بتسارع الأحداث وارتفاع منسوب التوتر، ما يجعل من الحوار خياراً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه، حتى في أكثر الملفات تعقيداً. وأشاد باراك بنجاحات الدبلوماسية السورية، مبيناً أن التجربة الجارية في سوريا تمثل نموذجاً غير تقليدي لاختبار قدرة الحوار والتعاون الدولي على تحقيق نتائج ملموسة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وأكد السيد الرئيس أحمد الشرع، في تصريحات صحفية خلال لقائه مجموعة من الصحفيين العرب في آب 2025، أن استراتيجية سوريا هي “تصفير المشاكل وحل الخلافات”، وأن سوريا، التي لديها عوامل قوة وحلفاء، لن تنجر إلى أي حرب، بل ركزت على شرح موقفها وحصلت “على دعم لسوريا موحدة وقوية”. وفي جلسة حوارية ضمن فعاليات منتدى أنطاليا، قال الرئيس الشرع إن سوريا تعبت خلال السنوات الماضية، وتعرض الشعب السوري لهجرة ونزوح وضربات بالسلاح الكيميائي، إلى جانب الدمار الكبير، وتجنيبها اليوم الدخول في أي صراع هو المسار الطبيعي والصحيح. وأشار الرئيس الشرع إلى أن الدبلوماسية السورية نجحت في تعزيز موقع سوريا الاستراتيجي، كما شدد على أن سوريا لم تعد محصورة بين خيارات القوى الكبرى، بل أصبحت قادرة على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، والتحول إلى جسر وصل بين الدول الكبرى. وأوضح الرئيس الشرع أن سوريا خرجت من حالة الصراع إلى بيئة آمنة ومستقرة تشكل فرصة استثمارية، كما أنها أنقذت المنطقة بمنع تمدد بعض الدول الإقليمية أو استخدام أراضيها كمنصة لانطلاق الهجمات وزعزعة الاستقرار.
وفي مقابلة صحفية في تشرين الأول 2025، قال وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني إن الدبلوماسية السورية الجديدة تشهد تحولاً تاريخياً يعيد تمثيل سوريا بصورة لائقة ومشرقة تعكس حضارتها ومكانتها، بعد أن كانت لعقود رهينة سياسات النظام المخلوع التي شوهت صورتها واعتمدت على الابتزاز وسوء العلاقات مع العالم. وأضاف أن هذه الدبلوماسية الجديدة استطاعت إيصال صوت الشعب السوري إلى العالم، والتعبير عن طموحاته، والعمل على معالجة آثار المرحلة السابقة، مبيناً أن السياسة الخارجية لدمشق تنأى عن الاستقطاب والمحاور، وتنتهج الحوار والانفتاح والتعاون المتوازن مع الجميع، حتى إنها باتت تذكر في المحافل الدولية كدولة فاعلة تتطلع إلى المستقبل بثقة وثبات، بعد أن كانت تقدم كأزمة إنسانية. وأشار وزير الخارجية إلى أن العلاقات مع الدول العربية تشهد تقدماً ملحوظاً، في الوقت الذي تسير فيه العلاقات مع الدول الصديقة باتجاه إعادة بناء متوازن قائم على الندية والاحترام المتبادل، بما يخدم مصالح الشعب السوري.
وفي مقال رأي بمجلة “المجلة” السعودية، نشر السبت الثامن عشر من نيسان الجاري، نقل عن الرئيس الشرع قوله، على هامش منتدى أنطاليا، إن العمل جار اليوم للتوصل إلى اتفاق يضمن انسحاب “إسرائيل” من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، وعودتها إلى خطوط 1974، مؤكداً أن دمشق قد تنخرط في مفاوضات طويلة الأمد لحل قضية الجولان المحتل في حال نجاح الوصول إلى اتفاق. ويذكر المقال أن موقف الرئيس الشرع ليس جديداً، فقد أعلن مراراً عن رؤيته ورغبته في عدم الدخول في صراع مع أي من دول الجوار، بما في ذلك “إسرائيل”، كما أن دمشق انخرطت في مفاوضات مباشرة معها برعاية أميركية. ويتابع المقال أن الرئيس الشرع “يبدي اهتماماً كبيراً بالأمن، إذ يدرك أن تطبيق رؤيته الاقتصادية والتنموية يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة، وإلى مشاريع ضخمة واتفاقات تتيح الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لسوريا وتحويله إلى نقطة وصل”.
ويقول المقال إن “تحويل سوريا إلى بيئة آمنة بعد حرب استمرت 14 عاماً ليس بالأمر السهل، فقد حول نظام الأسد البلاد إلى ساحة تتلاعب بها الدول، وأدخل ميليشيات موالية لإيران، إضافة إلى تدمير أجهزة الدولة الأمنية وتحويلها إلى أدوات لإرهاب السوريين وقتلهم بدلاً من حماية أمنهم وأمن البلاد”. ويضيف: “كما أدت الثورة، بسبب ما تعرضت له من عنف من قبل النظام وحلفائه، وتخاذل دولي أحياناً وتنافس أحياناً أخرى، إلى ظهور مئات الفصائل”. كما أن ترتيب هذه الفوضى وبناء مؤسسات أمنية على أسس وطنية أمر لن يتم بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى وقت ليس بالقصير. وأشار المقال إلى أن “المرحلة الانتقالية في سوريا لا تشبه نظيراتها في الدول الأخرى التي مرت بتجارب مشابهة، فالعين قد ترى جزءاً من حجم الدمار الذي تسبب به الأسد، لكن المرء بحاجة إلى التمعن والبحث المعمق ليدرك حجم الفساد الذي خلفه داخل المؤسسات، والانقسام في المجتمع، والقول إن الثورة ورثت دولة مهترئة بالكامل ليس مبالغة”.
ويقول الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة، في حديث إلى صحيفة “الثورة السورية”، إن مفهوم الدبلوماسية من أجل السلام ينطلق أساساً من رؤية سياسية للدولة السورية في تصفير المشاكل مع جيرانها وخصومها، من أجل التفرغ لجبهة البناء والتنمية وطرح منطق المصالح المشتركة بدلاً من الصراعات الصفرية المستمرة. وأضاف أن الدولة السورية عملت منذ بداية التحرير على ترسيخ هذا المبدأ من خلال نشاط دبلوماسي وخطاب سياسي ركز على تطمين كل الأطراف والتأكيد أن سوريا لن تكون خطراً على جيرانها، بما في ذلك “إسرائيل”، إلى جانب السعي السوري المستمر للابتعاد عن المحاور الدولية والإقليمية، وجعل سوريا فرصة لجميع دول العالم كي تستثمر في التنمية الاقتصادية.
وتابع المحلل شريفة: “من الواضح أن القيادة السياسية السورية لديها رؤية استراتيجية لدور سوريا في مستقبل المنطقة، وهو دور ينطلق أساساً من جعلها ركيزة استقرار بدلاً من دورها السابق في تصدير الصراعات”، مشيراً إلى أنه من الجلي أيضاً أن الدولة السورية تدرك حجم التحديات التي تعيق هذا التموضع الجديد، ولذلك هي تسعى بكل جدية لمواجهة هذه التحديات من خلال تحقيق السلام والاستقرار الداخلي، عبر عملية انتقال سياسي يشارك بها الجميع، والدخول في مفاوضات جادة مع “إسرائيل” لإنهاء حالة الاشتباك في الجنوب. وأشار إلى أن الحرب الأميركية – الإيرانية كانت مناسبة مهمة للتأكيد السوري على النأي بالنفس عن هذه الحرب وعلى أهمية حل المشكلات بالطرق السلمية.
ويؤكد الوزير الشيباني أن المرحلة المقبلة في سوريا ستكون مرحلة بناء وسلام، وهي تتطلب جهداً مضاعفاً لترسيخ حضور الدولة عربياً ودولياً، وصون حقوق شعبها وتضحياته، مشدداً على أن العمل الدبلوماسي السوري سيبقى صوتاً للحق، ودرعاً يحمي السيادة الوطنية، وجسراً يربط سوريا بالعالم على أسس من الاحترام والمصالح المتبادلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة