الشبيبة الثورية تعود للواجهة في الحسكة: جدل متصاعد حول علاقتها بـ"قسد" ودورها في "الإدارة الذاتية"


هذا الخبر بعنوان "“الشبيبة الثورية” تعود إلى الواجهة بعد أحداث القصر العدلي في الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عادت "حركة الشبيبة الثورية" لتتصدر المشهد في شمال شرقي سوريا، وذلك في ظل تصاعد التوتر بمدينة الحسكة على إثر احتجاجات اندلعت بعد إزالة اللغة الكردية من اللوحة التعريفية للقصر العدلي. هذه الأحداث أعادت طرح تساؤلات قديمة-جديدة بشأن طبيعة الحركة، ومدى ارتباطها بـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والدور الذي تلعبه ضمن بنية "الإدارة الذاتية" في المنطقة. وبينما اتخذت التطورات طابعًا ميدانيًا تمثل في اقتحام مبنى القصر العدلي وتحطيم اللوحة وإعادة تركيبها أكثر من مرة، فقد فتحت في الوقت ذاته نقاشًا أوسع حول موقع "الشبيبة الثورية" داخل منظومة الحكم والإدارة القائمة في شمال شرقي سوريا، في ظل تضارب الروايات بين من يصفها بالذراع التنظيمية والأيديولوجية الفاعلة، ومن يعتبرها أداة ضغط غير رسمية تعمل خارج الهياكل المعلنة.
شهدت مدينة الحسكة خلال الأيام والساعات الماضية توترًا متصاعدًا، عقب إزالة لافتة القصر العدلي التي كانت تتضمن اللغة الكردية إلى جانب العربية، وهو ما اعتبره أنصار "الشبيبة الثورية" خطوة استفزازية. ووفقًا لمعطيات ميدانية، دفعت هذه الخطوة مجموعات من أنصار الحركة إلى اقتحام مبنى القصر العدلي وتحطيم اللوحة التعريفية، قبل أن تعيد الحكومة السورية تركيبها لاحقًا. تكررت هذه الحادثة أكثر من مرة خلال فترة قصيرة، وسط استمرار الاعتراضات. وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي حساس، حيث تتداخل الملفات الخدمية والإدارية مع قضايا الهوية والتمثيل اللغوي، في وقت تتواصل فيه النقاشات بين دمشق و"قسد" حول مستقبل المؤسسات في شمال شرقي سوريا، ضمن عملية الدمج التي أعقبت اتفاق كانون الثاني بين الجانبين.
تُعرف "حركة الشبيبة الثورية" بالكردية باسم "جوانن شورشكر"، وهي تنظيم شبابي كردي تأسس أواخر عام 2011، وبرز نشاطه تدريجيًا في المناطق التي خضعت لاحقًا لسيطرة "قسد" و"الإدارة الذاتية" في شمال شرقي سوريا. تم تأسيس الحركة بإشراف مباشر من القيادي في "حزب العمال الكردستاني" باهوز أردال، المعروف باسم فهمان حسين، والذي يُنسب إليه دور في تأسيس "وحدات حماية الشعب"، التي شكلت لاحقًا العمود الفقري لـ"قسد". ومع صعود نفوذ "قسد" منذ عام 2015، توسع حضور الحركة في المشهد المحلي، غير أنها بقيت محل جدل حول طبيعة ارتباطها التنظيمي، إذ تُوصف أحيانًا بأنها تعمل بصورة موازية أو منفصلة نسبيًا عن الأجهزة الأمنية والإدارية التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، بما فيها جهاز "الأسايش".
تولى القائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي في مرحلة مبكرة من تأسيس الحركة دورًا قياديًا فيها، قبل انتقاله إلى قيادة "قسد"، وهو ما يضيف طبقة إضافية من الجدل حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.
على مدار السنوات الماضية، ارتبط اسم "الشبيبة الثورية" بعدد من الحوادث الأمنية والسياسية في شمال شرقي سوريا، شملت هجمات على مقار تابعة لـ"المجلس الوطني الكردي"، إضافة إلى مواجهات مع متظاهرين وناشطين معارضين لـ"حزب العمال الكردستاني" أو لـ"الإدارة الذاتية".
وفي نيسان 2022، هاجم منتسبون للحركة مكاتب تابعة للأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية في مدينة القامشلي، ورفعوا خلالها شعارات مرتبطة بزعيم "حزب العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان.
كما وثقت تقارير حقوقية، من بينها ما صدر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، اتهامات للحركة تتعلق بتجنيد الأطفال، حيث أشارت المنظمة إلى قيامها بتجنيد فتيات وفتيان في سن مبكرة، ونقلهم إلى معسكرات ذات طابع عسكري وأيديولوجي.
في سياق الجدل الدائر حول طبيعة الحركة، يرى ناشطون أن "الشبيبة الثورية" تلعب أدوارًا تتجاوز الطابع الشبابي أو المدني، وتمتد إلى التأثير في المشهد الأمني والسياسي. وقال محمد هجيج، الناشط السياسي والمتحدث الإعلامي لتجمع "تآخ"، لعنب بلدي، إن الحركة "تشبه من حيث الشكل شبيبة البعث في زمن النظام السابق، لكنها أكثر تطرفًا في آليات الانتماء والاحتساب، وتستهدف الفئات العمرية الصغيرة".
وأضاف هجيج أن الحركة "تتبع بشكل مباشر لحزب الاتحاد الديمقراطي وقياداته في قنديل، دون وجود هيكلية تنظيمية رسمية ضمن قسد"، مشيرًا إلى أنها تستخدم "أساليب متعددة لاستقطاب الشباب، بينها الدعاية لمشروع دولة قومية، ومزايا مادية واجتماعية، إضافة إلى خطاب يقوم على هامش واسع من الحرية السلوكية". وتابع: "الحركة لا تتيح للأهل التواصل مع أبنائهم في بعض الحالات، وهناك تقارير عن خطف ومنع تواصل أسري".
وعن دورها السياسي، أوضح هجيج أن "الشبيبة الثورية ليست طرفًا في صنع القرار، لكنها تُستخدم كأداة ضغط اجتماعي ورسائل سياسية غير مباشرة"، مضيفًا أنها "ورقة يتم تحريكها لإيصال رسائل دون تحميل قسد المسؤولية المباشرة عنها". وفيما يتعلق بالعلاقة مع "قسد"، قال إن الحركة "لا تعمل بشكل مستقل بالكامل"، معتبرًا أن تكرار الحوادث دون منعها "يشير إلى رضا ضمني أو عجز عن الضبط"، على حد وصفه. كما أشار إلى أن تحركات الحركة الأخيرة في الحسكة والقامشلي خلقت "حالة احتقان مجتمعي"، موضحًا أن جزءًا من الغضب يرتبط بإزالة رموز الدولة السورية، وفق تعبيره.
في المقابل، يقدم الناشط الاجتماعي حسن الهاشمي قراءة أخرى حول طبيعة الدور الذي تلعبه الحركة، معتبرًا أنها تمثل "بنية موازية تعمل خارج الأطر الرسمية". وقال الهاشمي إن "المشهد في الجزيرة السورية لا يمكن فهمه من خلال الهياكل الرسمية فقط، فهناك منظمة تعمل كدولة عميقة تمتلك صلاحيات تفوق المؤسسات المعلنة".
وأضاف أن "الشبيبة الثورية" تعمل كـ"ذراع عقائدية لا تعترف بالحدود أو القوانين المحلية"، على حد وصفه، مشيرًا إلى أنها تُستخدم كوسيلة "للالتفاف على الالتزامات الدولية المتعلقة بتجنيد الأطفال". وتابع أن الفصل بين "الواجهة السياسية والواقع الميداني" يمنح القيادات الرسمية، وفق رأيه، مساحة لإنكار المسؤولية أمام الآخرين. كما أشار إلى أن الحركة "تقوم بدور القوة الصادمة ضد الأصوات المعارضة"، مستشهدًا بحوادث استهداف مقرات "المجلس الوطني الكردي" أو الترهيب ضد ناشطين، معتبرًا أن هذه الأعمال "لا تُنفذ علنًا من الأجهزة الرسمية حفاظًا على صورتها الخارجية". ويرى الهاشمي أن الحركة تمثل "تيارًا راديكاليًا يرفض الاستقرار السياسي"، وأن استمرار نشاطها "يضع قسد أمام مأزق دائم بين التزاماتها السياسية وواقعها التنظيمي"، وفق تعبيره.
يتزامن التصعيد في الحسكة مع استمرار النقاشات السياسية بين دمشق و"قسد" حول مستقبل دمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن هياكل الدولة السورية. وكانت الأطراف قد توصلت في وقت سابق إلى تفاهمات مبدئية تقضي بدمج المؤسسات التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، عقب تطورات ميدانية شهدتها المنطقة، شملت تغييرات في السيطرة على بعض المناطق قبل إعادة تموضع "قسد" في المدن الرئيسية بمحافظة الحسكة.
وفي هذا السياق، اعتبر هجيج أن هذه التحركات "لن تؤثر على مسار الدمج"، مستشهدًا بتصريحات لمسؤولين حكوميين من بينهم أحمد الهلالي نائب محافظ الحسكة، إضافة إلى المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة، الذين أكدوا أن "المسار مستمر".
بين الاتهامات الحقوقية، والقراءات السياسية المتباينة، والحوادث الميدانية المتكررة، تبقى "الشبيبة الثورية" واحدة من أكثر التنظيمات إثارة للجدل في شمال شرقي سوريا. ففي حين يرى فيها البعض أداة ضغط غير رسمية أو امتدادًا لتنظيمات أوسع، يعتبرها آخرون بنية أيديولوجية عميقة تتحرك خارج الأطر المعلنة، فيما تبقى علاقتها الدقيقة مع "قسد" و"الإدارة الذاتية" محل نقاش مفتوح لم يُحسم بعد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة