إعادة الإعمار النيوليبرالية: من بيروت إلى دمشق، استغلال المدن لصالح النخب وتعميق التفاوتات


هذا الخبر بعنوان "إعادة الإعمار لـ”النخب”.. من وسط بيروت إلى ضفاف بردى" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُحلل لمى قنوت سياسات السلطة الانتقالية بوصفها عملية إعادة تشكيل عميقة للاقتصاد السياسي والمجتمع والدولة، تتجاوز مجرد مسار للخروج من الحرب والحكم الشمولي. تكشف السياسات النيوليبرالية المعتمدة، من خصخصة سريعة وإجراءات تقشفية وتراجع دعم القطاعات الإنتاجية، عن نموذج إقصائي لإعادة الإعمار. هذا النموذج يُصمم ويُنفذ بطريقة يستفيد منها مستثمرون متنفذون وفئات محدودة جدًا من المجتمع، بينما تُستبعد منه الشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة، ولا تُلَبَّى احتياجاتها الأساسية، ما يؤدي إلى تعميق التفاوتات الاجتماعية والطبقية بدل معالجتها.
تفترض السلطة أن المقاربة النيوليبرالية لإعادة الإعمار، القائمة على الاستثمار الأجنبي والنمو المبني على السوق، قادرة على تحقيق التعافي تلقائيًا. لكن هذا النموذج، ووفق عدة تجارب، أنتج أنماطًا جديدة من الهشاشة والمظالم، بدل أن يُطرح في إطار عدالة اجتماعية ومكانية، وحق السكان في المدينة.
ففي لبنان مثلًا، ارتبط مشروع إعادة الإعمار بعد الحرب بصعود نموذج قائم على المضاربة العقارية والخدمات المالية، وإعمار مفروض من الأعلى على الشعب. تمثل هذا بصورة أساسية في بيروت بمشروع “سوليدير”، الذي أعاد تشكيل وسط المدينة وأسواقها التاريخية الشعبية، وفق مصالح ورؤية رأس المال والنخب السياسية والمالية، لا وفق حاجات المجتمع وعملية تعافٍ اجتماعي، وقَدَّم وسط المدينة كمساحة نقية لنهم استهلاكي طبقي.
في عام 1991، دفعت الطبقة الحاكمة بقوة نفوذها إلى استصدار قانون خاص من المجلس النيابي حمل عنوان “إعمار وسط بيروت وغيره من المناطق المدمرة”. كان هذا القانون مفصلًا وفق مصالحها، وانتهك حقوقًا دستورية وقانونية، وبضمنها نقل قسري لما يقارب 40000-60000 فرد.
لم يُنظر إلى وسط المدينة باعتباره فضاءً اجتماعيًا يحتاج إلى استعادة سكانه ووظائفه الشعبية، بل بوصفه أصلًا عقاريًا واستثماريًا تم تحويله إلى مركز مالي وسياحي، فُصل فيه المركز عن محيطه، وصُمم بصريًا واجتماعيًا لـ“النخب” وكعلامة تجارية (Brand)، وأعاد إنتاج وسط المدينة وفق منطق طبقي جديد.
ومن جملة الأخطاء التي برزت، تضارب المصالح مع جعل إدارة “سوليدير” الفاعل الرئيس في إدارة الآثار مع ضعف مؤسسات الدولة، ناهيك بالمواقع الأثرية التي دمرتها الشركة خلال مرحلة البناء.
إن إعادة الإعمار ليست عملية محايدة، بل هي إعادة إنتاج للمدينة اجتماعيًا وطبقيًا. وبحسب عالم الاجتماع والمخطط الحضري هنري لوفيفر، فإن الفضاء الحضري هو منتج اجتماعي، أو بناء اجتماعي معقد، يعتمد على القيم، والإنتاج الاجتماعي للمعاني، ويؤثر على الممارسات والتصورات المكانية. ولذلك، فإن إعادة الإعمار بعد الحروب لا يمكن تصنيفها كعملية تقنية، بل كمرحلة سياسية يُعاد فيها تعريف من يملك الحق في المدينة، ومن يُسمح له بالبقاء فيها، وما نوع الحياة التي يُراد إنتاجها داخل الفضاء الحضري.
ضمن منظور العدالة الانتقالية التحولية، لا تُعد عملية إعادة الإعمار قضية منفصلة عن العدالة، بل جزءًا أساسيًا من الصراع حول إعادة توزيع السلطة والثروة والفضاء بعد الحرب. وحين تُدار إعادة الإعمار وفق منطق “التمدين النيوليبرالي”، أي وفق منطق السوق والربحية، لن تتم معالجة الجذور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعنف، بل ستكون امتدادًا له بأدوات عمرانية واقتصادية جديدة، وتتم تحت عنوان الاستثمار، والتطوير، و“الحداثة”، تمحو بصريًا آثار الحرب دون معالجة جذورها، بينما تقضي العدالة الاعتراف بما حدث، ومن تضرر، وإنصافهم.
وفي السياق السوري، يتمحور خطاب السلطة الانتقالية حول إعادة الإعمار وفق النموذج النيوليبرالي، حيث الدعوات للاستثمار العقاري، وتعظيم الحوافز والجاذبية الاستثمارية، كأحد أوجه احتكار القرار السياسي والاقتصادي وغياب الشفافية والتشاركية وسيادة القانون، وإعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب.
يُعد المشروع الذي أطلقته وزارة السياحة “ذا بومونت”، الذي “يجمع بين السكن الفاخر والضيافة والأعمال والترفيه” في موقع استراتيجي على ضفاف نهر بردى في قلب دمشق، نموذجًا تُقدم فيه المدينة كأصل استثماري، لا كفضاء اجتماعي يحتاج وسكانه وبيئته إلى التعافي بعد الحرب.
في بلد يعاني تدميرًا واسعًا في بنيانه وبناه التحتية، وارتفاعًا حادًا في نسبة الفقر والبطالة، ويُقدّر عدد النازحين فيه بـ5.5 مليون شخص، يصبح الحديث عن الأبراج الفندقية والسكن الفاخر اختلالًا عميقًا في نموذج إعادة الإعمار الذي تعمل عليه السلطة وأولوياته.
ويُظهر مشروع “ذا بومونت” العلاقة بين النيوليبرالية والعنف المكاني، حيث يُصاغ المجال الحضري وفق منطق الربحية على حساب البيئة والاستدامة الاجتماعية. ويعكس اختيار الشريط الإيكولوجي لـنهر بردى وبساتين كيوان منطقًا يرى الأرض بوصفها قيمة تبادلية مرتبطة بالسوق، تُسيج شريان الحياة لدمشق ومحيطها كفضاء للأثرياء، وهو شكل من المحو المكاني، تُستبدل فيه البنية التاريخية والاجتماعية للمدينة بصورة استهلاكية منفصلة عن سكانها، لا بقيمة اجتماعية مرتبطة بالذاكرة الجماعية والهوية والحياة اليومية والحق في المدينة وبيئة سليمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة