سوريا: تحدي إعادة الإعمار بين وهم الدولة الموحدة وواقع إدارة التفكك


هذا الخبر بعنوان "من وهم الدولة الموحّدة إلى إدارة التفكك..!!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتناول أدبيات إعادة الإعمار بعد النزاعات فرضية تبدو بديهية للوهلة الأولى، وهي إمكانية استعادة الدولة، مهما بلغ تآكلها، إلى حالتها السابقة من التماسك عبر تدخلات تقنية ومؤسساتية واقتصادية تقودها شبكات دولية متعددة الأطراف. غير أن هذه الفرضية، في السياق السوري، تكشف عن تمسك عنيد بصورة الدولة الحديثة أكثر من كونها فهماً حقيقياً للواقع.
يشير د. سلمان ريا إلى أن ما انهار في سوريا ليس مجرد جهاز إداري أو بنية تحتية قابلة للترميم، بل هو تصور كامل للدولة كمركز موحد للسلطة والتنظيم. فخلال سنوات الصراع، لم تتفكك المؤسسات فحسب، بل أعيد تشكيل المجال السياسي والاجتماعي برمته. لم تعد الدولة مركزاً يحتكر إنتاج النظام، بل أصبحت طرفاً ضمن شبكة متداخلة من السلطات المحلية، والاقتصادات الموازية، وشبكات النفوذ العابرة للحدود. من هنا، يبدو خطاب «إعادة البناء» أقرب إلى محاولة ترميم صورة ذهنية للدولة منه إلى مشروع سياسي قابل للتحقق.
يفترض هذا الخطاب ضمناً أن التفكك السوري مجرد انحراف مؤقت عن حالة طبيعية يمكن استعادتها، متجاهلاً أن ما نشأ خلال العقد الماضي ليس فراغاً سياسياً، بل أنماطاً جديدة من التنظيم والاستقرار والتكيّف، مهما بدت هشة أو متنافرة. المأزق ليس تقنياً، بل معرفي في جوهره. فالنموذج الدولي لا يزال يتعامل مع سوريا كنظام معطّل يحتاج إلى إعادة ضبط، بينما يشير الواقع إلى نظام أعاد إنتاج نفسه في صورة مختلفة، متعددة المراكز، ومقاومة بطبيعتها لإعادة التمركز القسري.
بهذا المعنى، لم يعد الاستقرار السوري قابلاً للاختزال في صيغة واحدة أو مركز واحد. هناك استقرارات جزئية، محلية، ومؤقتة، تتشكل وفق توازنات أمنية واقتصادية واجتماعية متباينة. ومحاولة صهرها داخل نموذج موحّد قد لا تنتج دولة أكثر تماسكاً، بل قد تعيد تنشيط التوترات التي جرى احتواؤها مؤقتاً.
تكمن مشكلة إعادة الإعمار الدولية في أنها تسعى إلى استعادة دولة لم تعد موجودة، وربما لم تعد ممكنة أصلاً بالشكل الذي تُتخيل به. إنها تفترض أن التاريخ يمكن إرجاعه إلى نقطة سابقة، وأن التعقيد الذي راكمته الحرب يمكن تفكيكه عبر إعادة بناء المؤسسات. لكن الحروب الطويلة لا تدمّر الدول فقط؛ إنها تغيّر شروط إمكانها. لذلك، لا يبدو السؤال الحقيقي في سوريا هو كيف نعيد بناء الدولة، بل أي شكل من التنظيم السياسي يمكن أن ينشأ فوق هذا الواقع المركّب دون إنكار بنيته الفعلية. أي مشروع يتجاوز هذا السؤال يظل أسير الحنين إلى نموذج سياسي فقد قدرته على التفسير قبل أن يفقد قدرته على الحكم.
في النهاية، لا تكشف سوريا فقط حدود مشاريع إعادة الإعمار، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها: فكرة أن الدولة كيان يمكن إصلاحه كما تُصلح الآلات. غير أن المجتمعات لا تُرمم بهذه الطريقة، والتاريخ لا يعود إلى الوراء. ما يحدث في سوريا ليس توقفاً مؤقتاً في عمل الدولة، بل تحوّلاً عميقاً في معنى الدولة نفسها. ومن هنا، فإن الإصرار على استعادة النموذج القديم لا يمثل حلاً، بل شكلاً آخر من أشكال العجز عن قراءة العالم كما صار، لا كما نرغب في أن يكون.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة