الإعلام السوري: قفزة في الحريات وتحديات المأسسة والتشريعات


هذا الخبر بعنوان "بين الانفتاح والفوضى.. الإعلام السوري يبحث عن مأسسة حقيقية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نظمت "رابطة الصحفيين السوريين" ملتقى حواريًا موسعًا، بمشاركة نخبة من الصحفيين والإعلاميين وممثلين عن وزارة الإعلام ومؤسسات إعلامية مستقلة، بهدف استعراض واقع الحريات الإعلامية في سوريا ومناقشة التحديات الراهنة التي تواجه القطاع. كما تناول الملتقى، الذي حمل عنوان "الحريات الإعلامية في سوريا: مناخ الحرية وضمانات الاستمرار" وحضرته عنب بلدي، أبرز التحولات التي شهدها المشهد الإعلامي السوري خلال العامين الأخيرين.
تحول الملتقى إلى منصة مفتوحة للنقاش بين العاملين في القطاع الإعلامي والجهات الرسمية، حيث طُرحت ملفات حيوية مثل التراخيص والتشريعات الإعلامية، والتنظيم النقابي، والظروف المعيشية والمهنية للصحفيين. كما شملت النقاشات دور صناع المحتوى وآليات تنظيم العمل الإعلامي في سوريا الجديدة.
أكد المشاركون أن سوريا شهدت في عامي 2025 و2026 تحولات سياسية ومؤسساتية أثرت إيجابًا على هامش الحرية الإعلامية، مع تراجع ملحوظ في القيود الأمنية واتساع مساحة العمل الصحفي مقارنة بسنوات حكم النظام السابق. إلا أن المتحدثين شددوا على أن هذه التحولات تتطلب إطارًا قانونيًا ومؤسساتيًا راسخًا لضمان استدامتها ومنع أي تراجع مستقبلي.
في افتتاح الملتقى، استعرضت "رابطة الصحفيين السوريين" تقريرها الأخير حول مؤشر الحريات الإعلامية في سوريا. وأشار التقرير إلى أن التحسن الملحوظ في واقع الصحافة لن يستمر دون وجود تشريعات واضحة، وعمل نقابي منظم، ومؤسسات مستقلة تدافع عن حقوق الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي.
وأوضحت الرابطة أن البيئة التشريعية الحالية بحاجة إلى إصلاحات واسعة، حيث لا تزال العديد من الإجراءات المرتبطة بالعمل الإعلامي تصدر بصيغة تعليمات وقرارات إدارية، بدلًا من قوانين متكاملة تستند إلى المعايير الدولية لحرية الصحافة. كما أكد التقرير على أهمية تأسيس نقابات إعلامية مستقلة وتنظيم العمل النقابي، معتبرًا أن الحديث عن تقدم في مؤشرات حرية الإعلام لا يكتمل في ظل غياب مؤسسات نقابية قادرة على حماية الصحفيين والدفاع عن حقوقهم المهنية والمعيشية.
وتناول التقرير التحسن النسبي في البيئة الأمنية، حيث رصد انخفاضًا في الانتهاكات الجسيمة بحق الصحفيين، مثل الاعتقال التعسفي والاستهداف المباشر، وتحسنًا في تعامل الأجهزة الأمنية مع الإعلاميين، مما ساهم في توسيع مساحة العمل الميداني ورفع مستوى التغطيات الصحفية داخل سوريا.
حققت سوريا تقدمًا لافتًا في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، مسجلة أكبر قفزة عالمية بعد سنوات من تصنيفها ضمن قائمة أسوأ عشرة بلدان في العالم على صعيد حرية الصحافة. ورغم هذا التقدم، حذرت المنظمة في تصنيفها السنوي الصادر في 30 من نيسان الماضي، من وصول حرية الإعلام عالميًا إلى أدنى مستوياتها منذ 25 عامًا، مشيرة إلى أن أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%) تندرج ضمن المنطقة "الصعبة" أو "الخطيرة للغاية"، وهو ما يعد سابقة تاريخية منذ انطلاق التصنيف عام 2001، حيث تآكل الحق في الوصول إلى المعلومات تحت ضغط تشريعات الأمن القومي وتجريم العمل الصحفي.
صرح محي الدين عبد الرزاق، عضو المكتب التنفيذي في "رابطة الصحفيين السوريين"، لعنب بلدي، بأن الرابطة تابعت منذ بداية التحولات السياسية التغيرات في القطاع الإعلامي من خلال لقاءات مع مؤسسات إعلامية وصحفيين وجهات حكومية، بهدف رصد المشكلات والتحديات. وأشار عبد الرزاق إلى أن أبرز نقاط الضعف تتمثل في غياب البنية المؤسساتية الواضحة للعمل الإعلامي، والحاجة إلى إصلاحات تشريعية وتنظيمية تشمل التراخيص والبطاقات الصحفية وتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية.
كما لفت إلى الفوضى الناتجة عن توسع دور بعض صناع المحتوى على حساب العمل الصحفي المهني، معتبرًا أن غياب الضوابط المهنية أدى إلى ظهور مشكلات وانتهاكات أثرت على صورة الإعلام السوري. وتطرق عبد الرزاق إلى الأوضاع المعيشية الصعبة للصحفيين السوريين، مؤكدًا أن الرواتب الحالية لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، داعيًا إلى تحسين أجور العاملين في القطاع الإعلامي وضمان حقوقهم المهنية والاجتماعية.
من جانبه، قدم عمر حاج أحمد، مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عرضًا مفصلًا حول واقع التراخيص الإعلامية وآليات تنظيم القطاع في سوريا، مؤكدًا سعي الوزارة لبناء بيئة إعلامية قائمة على الشفافية والتنظيم المؤسسي. وأوضح أن عدد المؤسسات الإعلامية المرخصة خلال فترة النظام السابق بلغ نحو 430 مؤسسة على مدى 40 عامًا، لكن مراجعة الملفات كشفت أن نحو 281 منها كانت "وهمية" أو تعمل لأغراض غير إعلامية، وبعضها غير موجود فعليًا على الأرض، حيث كان معظمها يندرج ضمن دور نشر أو مطبوعات لا تمارس عملًا إعلاميًا حقيقيًا.
وذكر مدير الشؤون الصحفية أن الوزارة وضعت معايير وإجراءات جديدة لتنظيم ملف التراخيص، مع تبسيط الإجراءات القانونية والإدارية، مما أدى إلى انخفاض مدة الحصول على الترخيص من نحو 23 شهرًا في السابق إلى ما بين ثلاثة وأربعة أشهر فقط. وأشار إلى أن الوزارة رخصت خلال عام 2025 وبداية 2026 نحو 471 مؤسسة إعلامية، وهو رقم يفوق عدد المؤسسات التي حصلت على تراخيص خلال أربعة عقود سابقة. وفي الوقت ذاته، يوجد أكثر من 130 طلب ترخيص لا تزال قيد الدراسة، بينما تبين أن نسبة كبيرة منها مجرد طلبات ورقية لم تستكمل إجراءاتها القانونية.
وفي حديثه لعنب بلدي، كشف حاج أحمد أن وزارة الإعلام تعمل حاليًا على إطلاق تطبيق إلكتروني خاص بالتراخيص والفعاليات والشؤون الإعلامية، يتيح متابعة الطلبات إلكترونيًا ويعزز الشفافية. وشرح أن الوزارة تطور منظومة رقمية مؤتمتة لتقليل البيروقراطية وتعزيز الشفافية وتخفيف الإجراءات الإدارية. وأكد أن الوزارة في المراحل النهائية لإطلاق التطبيق، الذي سيوفر في مرحلته الأولى ثماني خدمات أساسية، منها الحصول على البطاقة الصحفية والتصاريح الإعلامية وتنظيم حضور الفعاليات والمؤتمرات، مع خطط لتوسيع نطاق الخدمات لاحقًا.
كما كشف حاج أحمد أن الوزارة أنجزت تجربة إطلاق بطاقة صحفية جديدة تمنح لمدة عام، موضحًا أنها "بطاقة عمل وليست بطاقة عضوية"، وتهدف إلى تسهيل وصول الصحفيين إلى الفعاليات الرسمية والحد من المعاملات الورقية. وأضاف أن البطاقة صُممت بمعايير أمان تقني عالية، تتضمن باركودًا وعلامة مائية ورقمًا تعريفيًا خاصًا (ID) لكل بطاقة، لضمان سهولة التحقق من بيانات حاملها وتنظيم العمل الصحفي باحترافية.
اعتبر عمر حاج أحمد أن التحسن الذي حققته سوريا في مؤشر الحريات الصحفية يشكل "نقطة انطلاق مهمة" نحو تحقيق قفزات نوعية أكبر. وشدد على ضرورة الحفاظ على استقلالية ومهنية القطاع الإعلامي، واعتماد آليات تنظيم ذاتي بعيدة عن الرقابة التقليدية. وأكد أن الوزارة تتجه نحو اعتماد "الرقابة البعدية" بدلًا من الرقابة المسبقة، مشيرًا إلى أنها لم تمنع أي كتاب خلال الأشهر الماضية باستثناء حالات محدودة تضمنت خطاب كراهية أو تحريضًا مباشرًا.
كما شدد على إيمان الوزارة بمبدأ التنظيم الذاتي للقطاع الإعلامي، وأن "مدونة السلوك الإعلامي"، التي أُعدت بمشاركة مئات الصحفيين والإعلاميين، ستكون إطارًا مهنيًا لتنظيم العمل، على أن تتولى لجنة مستقلة تطبيقها ومتابعة المخالفات. وقد أطلقت وزارة الإعلام "مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026" كمرجع معياري لتنظيم العمل الإعلامي وتعزيز مبادئ الدقة والمسؤولية المهنية، وحظر خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو التمييز الطائفي أو العرقي.
في ما يتعلق بصناع المحتوى، أوضح حاج أحمد أن الوزارة لا تعتبرهم بديلًا عن الصحفيين المهنيين، لكنها تدرك تأثيرهم، ولذلك خصصت ملحقًا خاصًا بهم ضمن مدونة السلوك الإعلامي، مع رفض أي محتوى يتضمن خطاب كراهية أو تحريضًا. وردًا على تساؤلات عنب بلدي حول إشكالية الدعوات الخاصة للفعاليات والتركيز على صناع المحتوى، أكد حاج أحمد أن الوزارة تعمل على تطوير آلية إلكترونية شفافة لتنظيم الدعوات والتسجيل، لضمان تكافؤ الفرص والحد من الاجتهادات الفردية.
قالت الصحفية السورية سونيا فرح، إحدى الحاضرات للملتقى، لعنب بلدي إن الملتقى وفر مساحة مهمة للنقاش حول واقع الإعلام السوري وتحدياته. واعتبرت أن تطوير القطاع يبدأ بالاستماع إلى الإعلاميين وفهم مشكلاتهم اليومية، مشددة على أهمية تحويل هذه الحوارات إلى خطوات عملية وإصلاحات حقيقية.
اختُتم الملتقى بالتأكيد على ضرورة استمرار الحوار بين المؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية، والعمل على تطوير البيئة القانونية والمهنية للإعلام السوري، بما يضمن حرية الصحافة ويحمي حقوق الصحفيين ويؤسس لقطاع إعلامي أكثر استقلالية ومهنية.
اعتمد "كونجرس الاتحاد الدولي للصحفيين" قرارًا لدعم وتمكين حرية الإعلام واستقلالية العمل النقابي في سوريا. القرار، المتخذ في المؤتمر العام لـ "الاتحاد الدولي للصحفيين" في باريس بتاريخ 7 من أيار، تضمن بنودًا عملية منها: دعم الصحفيين السوريين وتعزيز استقلالية العمل النقابي، وتمكين "رابطة الصحفيين السوريين" من ممارسة نشاطها بحرية واستقلالية. كما أكد على الاعتراف بالتعددية واستقلالية النقابات كمؤشر أساسي لتطور البيئة الإعلامية، وتوفير دعم مؤسسي وعملياتي للرابطة من قبل الاتحاد ونقاباته الأعضاء، يشمل التدريب وبناء الهياكل النقابية وتعزيز الحماية المهنية. وشجع القرار النقابات الدولية والعربية على تطوير شراكات مباشرة مع الرابطة لدعم الإعلام السوري المستقل، وأكد على أهمية بناء نموذج نقابي حديث في سوريا يقوم على الاستقلالية والشفافية والديمقراطية وتمثيل الصحفيين دون تمييز. كما شدد على أهمية استمرار جهود المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت الصحفيين السوريين منذ عام 2011، بما يشمل جرائم القتل والاختفاء والتعذيب، مؤكدًا أن ضمان عدم الإفلات من العقاب جزء أساسي من أي عملية إصلاح حقيقية للقطاع الإعلامي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة