آثار إدلب تواجه الاندثار: صراع مع الإهمال والنهب والعوامل الطبيعية


هذا الخبر بعنوان "آثار إدلب بلا حماية.. إرث يتآكل بصمت" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تقف المواقع الأثرية في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، التي تمتد جذورها لآلاف السنين، اليوم على شفا الاندثار، متحولة من إرث حي إلى مجرد ذاكرة منسية. فبين جدرانها المتداعية ونقوشها المهددة بالزوال، تتجلى خسارة تاريخية صامتة، حيث تتآكل الهوية الثقافية تدريجياً في ظل غياب شبه كامل للحماية والصيانة، وتجاهل المؤسسات المعنية.
يصف خالد مبيض، أحد سكان بلدة البارة القريبة من موقع أثري جنوبي إدلب، واقع الإهمال قائلاً لصحيفة الثورة السورية: "في السابق، كنا نشهد وجود حراس وزيارات من المختصين، أما اليوم فالموقع مفتوح للجميع ولا يأتي أحد". ويضيف مبيض أن غياب الحراس لم يؤثر على الأمن فحسب، بل أزال هيبة المكان، حيث كان الناس يفكرون ملياً قبل العبث بأي جزء منه. أما الآن، فقد تغير كل شيء، وأصبح الدخول متاحاً في أي وقت، ليلاً ونهاراً، دون رقيب أو حسيب.
ويؤكد مبيض أن هذا الفراغ الأمني والإداري لم يقتصر على الإهمال، بل فتح الباب أمام تعديات خطيرة. ويشير إلى ظهور حفريات عشوائية واختفاء أجزاء من المواقع بشكل مفاجئ، مما يعكس تعامل البعض معها كأرض مهجورة بدلاً من كونها جزءاً من التاريخ. والأخطر، بحسب مبيض، هو أن غياب الحراسة تحول من حالة مؤقتة إلى واقع دائم، مع عدم وجود أي خطط لحماية هذه المواقع أو تنظيم زيارتها، مما يوحي بأن هذه الآثار فقدت قيمتها.
في ظل غياب الرقابة شبه الكامل، تحولت المواقع الأثرية في إدلب إلى مسرح لانتهاكات متعددة، تبدأ بالتنقيب العشوائي وتصل إلى التعدي المباشر على البنية التاريخية. يروي فراس الحسون، من أهالي قرية دير حسان شمالي إدلب، مشاهد لحفريات ليلية تتم بأدوات بدائية أو حتى معدات ثقيلة دون أي رادع. ويعتقد الحسون أن هذه العمليات ليست عشوائية بالكامل، بل قد تكون موجهة من قبل شبكات تهريب غير منظمة تسعى لبيع القطع الأثرية، مما يجعل المواقع أهدافاً مفتوحة.
ويوضح الحسون أن الحفريات لا تقتصر على السطح، بل تمتد إلى أعماق تدمر طبقات أثرية كاملة ذات تسلسل تاريخي مهم، وهي طبقات لا يمكن استعادتها بمجرد تدميرها. ولا تتوقف الانتهاكات عند التنقيب، فبعض الأبنية الأثرية تحولت إلى مساكن مؤقتة للنازحين أو الأسر المحتاجة، في ظل غياب البدائل السكنية. ويشير الحسون إلى أن سكن العائلات داخل هذه المواقع، وإن كان مفهوماً من الناحية الإنسانية، يؤدي إلى تغييرات كبيرة كبناء جدران إضافية أو إشعال النيران داخل الغرف التاريخية، مما يسرع من تدهور المواقع. كما تُستخدم بعض المساحات لتخزين المواد أو كحظائر للحيوانات، مما يضيف ضغطاً يومياً على بنيتها الهشة. ويؤكد الحسون أن هذه التعديات، حتى لو كانت بدافع الحاجة، تسهم بشكل مباشر في فقدان المعالم الأصلية للمكان وتستنزف ما تبقى من هذه المواقع.
إلى جانب العامل البشري، تلعب الطبيعة دوراً قاسياً في تسريع تدهور هذه المواقع. فالتغيرات المناخية، من أمطار غزيرة وموجات حر وجفاف، تؤثر مباشرة على الأبنية القديمة التي تفتقر لأي أعمال ترميم أو صيانة. ويحذر مختصون من أن غياب التدخل السريع يضاعف الأضرار سنوياً، مما يؤدي إلى انهيار أجزاء جديدة وفقدان النقوش والكتابات لتفاصيلها تدريجياً.
من جانبه، يقدم حسان الإسماعيل، مدير الآثار في إدلب، تقييماً للوضع الراهن، مشيراً إلى تباين كبير بين المواقع الأثرية. وصرح لصحيفة الثورة السورية بأن "الوضع الحالي جيد نسبياً" في بعض المواقع، بينما تعرضت أخرى لأضرار وتعديات جسيمة، سواء كانت طبيعية كالزلزال، أو بشرية كالتجريف والتكسير والحفر. وهناك مواقع لحقتها أضرار متوسطة الخطورة. ويؤكد الإسماعيل أن فنيي الآثار يعملون حالياً على توثيق هذه الأضرار وتصنيفها حسب درجة الخطورة.
ويوضح الإسماعيل أن أبرز التحديات تتمثل في نقص التمويل والموارد، ومحدودية الإمكانيات اللازمة للترميم والحماية. ويعرب عن أمله في دعم المنظمات الدولية، مثل اليونسكو، لتقديم المساعدة الفنية واللوجستية. وفيما يخص عمليات النهب والتخريب المستمرة، يشير إلى أنها تتطلب زيادة عدد حراس المواقع، مؤكداً أنهم يعملون على الحد منها.
ويذكر الإسماعيل أن دائرة آثار إدلب هي الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن حماية هذا الإرث، بالتعاون مع المحافظة والبلديات والجهات الرسمية كوزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف، بالإضافة إلى المنظمات المهتمة. ويسلط الضوء على حجم الأضرار خلال السنوات الماضية، التي شملت حفريات عشوائية، واستخدام حجارة المواقع للبناء والتكسير، وتعرض مواقع للقصف الصاروخي والمدفعي، خاصة في سرجيلا وقلعة سمعان. كما طالت الأضرار متاحف إدلب ومعرة النعمان، وتفاقمت بفعل العوامل الطبيعية، لا سيما الزلزال الذي ضرب المنطقة في شباط 2023، مسبباً تصدعات وتشققات في جدران العديد من الأبنية الأثرية.
وفيما يتعلق بالتنقيب غير الشرعي، يوضح الإسماعيل أن التعامل معه يتم عبر تدابير قانونية تشمل فرض العقوبات والغرامات ومصادرة الأدوات المستخدمة. ويكشف عن بدء بعض المنظمات بوضع خطط ترميم وإعادة تأهيل جديدة، تركز مرحلتها الأولى على التوثيق وتحديد الأضرار في المواقع الأثرية، خاصة في منطقة جبل الزاوية. وقد قامت اليونسكو بجولات ميدانية، وتعمل منظمة تراث من أجل السلام على مشروع توثيق في جبل الزاوية، حيث أُنجزت المرحلة الأولى بإزالة الألغام، ويجري العمل حالياً على التوثيق التفصيلي للمباني الأثرية.
ويشدد الإسماعيل على ضرورة التحرك السريع لمنع فقدان المزيد من المواقع، وذلك بتنفيذ استراتيجيات أمنية وتشريعية واضحة، وتدخلات إسعافية عاجلة، واستجابة سريعة من المنظمات المعنية. ولحفظ الآثار وتوثيقها، يشير إلى اعتماد وسائل كالوثائق الرقمية والتصوير ثلاثي الأبعاد، واستخدام أنظمة المعلومات الجغرافية لربط المواقع بإحداثيات دقيقة، مما يسهل متابعة حالتها دورياً.
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سياسة