أزمة معيشية خانقة: 73 قرية بريف حماة الشرقي تواجه الهجرة القسرية بسبب قانون منع الفلاحة


هذا الخبر بعنوان "ريف حماة الشرقي.. مصير 73 قرية تحت رحمة قانون منع الفلاحة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتفاقم الأزمة المعيشية في عشرات القرى بريف حماة الشرقي، نتيجة استمرار تطبيق قانون منع الزراعة والفلاحة لأكثر من 20 عامًا. هذا القانون أدى إلى تدهور الثروة الحيوانية وانهيار مصادر الدخل، مما دفع العديد من السكان إلى الهجرة القسرية أو البقاء نازحين في المخيمات، في ظل مطالبات ملحة باستثناء القرى المأهولة من هذه القيود.
أكد أهالٍ من ريف حماة الشرقي لـ"عنب بلدي" أن قرار منع الفلاحة، الذي يستهدف نحو 73 قرية وتجمعًا سكانيًا، تسبب في انهيار الاقتصاد المحلي الذي يعتمد بشكل أساسي على الزراعة وتربية الماشية. كما أفرغ هذا القرار قرى بأكملها من سكانها، وحال دون عودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية.
منيف الصالح، أحد سكان قرية الحانوتة، أوضح لـ"عنب بلدي" أن قريته مجهزة بالخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والطرق المعبدة، لكنها تعاني من قرار منع الزراعة المستمر منذ عقدين. تبرر الجهات المسؤولة هذا القرار بذرائع "الحفاظ على الغطاء النباتي ومكافحة التصحر والحد من الرعي الجائر".
وأضاف الصالح أن هذه القرارات تعود إلى عهد النظام السابق، وتهدف، بشكل غير مباشر، إلى "تجويع الشعب وتهجيره"، على حد تعبيره. ويرى أن هناك خلطًا واضحًا وغير منصف بين مناطق البادية الشاسعة غير المأهولة، مثل الحماد، وبين التجمعات السكانية المستقرة التي يعتمد أهلها كليًا على الزراعة وتربية الماشية.
من جانبه، روى محمد نور درزي الأحمد، من سكان قرية القسطل الوسطاني، تفاصيل إضافية حول التناقض القانوني الذي يعيشه الأهالي. وقال لـ"عنب بلدي" إن سكان قرى القسطل الوسطاني والقسطل الشمالي يعانون منذ سنوات طويلة من الحرمان من استثمار أراضيهم الزراعية، رغم أنها مسجلة بـ"طابو أميري أخضر" منذ عام 1963، وتعتبر ملكًا لأصحابها بشكل قانوني ورسمي، تمامًا كما هو الحال في مناطق سلمية وحماة.
تستند قرارات المنع إلى القانون الصادر بتاريخ 13 كانون الأول 2006، الذي ينص على اعتبار أراضي البادية من أملاك الدولة الخاصة، وتخضع للقوانين والأنظمة النافذة. ينص القانون بوضوح على أن "وضع اليد" على أراضي البادية قبل صدوره لا يُعد مكسبًا لحق التصرف أو القرار أو التعويض ببدل المثل، ولا يكتسب أصحابه أي حق من الحقوق العينية على هذه الأراضي.
كما قضى القانون بتوقف معاملات تسجيل أراضي البادية الموجودة لدى المحاكم واللجان القضائية والقضاة العقاريين التي لم يصدر بها قرارات نهائية. وبموجب هذا القانون، مُنعت فلاحة وزراعة أراضي البادية غير المروية، واقتصر استثمارها على الرعي وتربية الحيوانات ومشاريع التحريج والغابات فقط. في المقابل، تُستثمر الأراضي المروية وأراضي الجيوب غير المروية الواقعة ضمن مشاريع استصلاح الأراضي وفق خطة تقرها وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي.
يؤكد الأهالي أن هذا القانون، الذي طُبق منذ ما يقرب من عقدين، لم يراعِ وجود تجمعات سكانية مستقرة قائمة على الزراعة، بل ساوى في أحكامه بين البادية الشاسعة غير المأهولة والقرى المأهولة التي توارث سكانها أراضيهم منذ أكثر من مئة عام.
تعتمد قرى ريف حماة الشرقي في اقتصادها كليًا على الزراعة البعلية وتربية الأغنام، وهما قطاعان متلازمان لا يمكن فصلهما. لكن قرار منع الفلاحة أثر عليهما معًا، مما وضع الأهالي أمام خيارات صعبة.
عبد الستار محمد الأحمد، مندوب قرية الهداج، شرح هذه العلاقة لـ"عنب بلدي" قائلًا: "الفلاحة وتربية المواشي متلازمتان، وإذا منعت الزراعة ماتت الماشية حتمًا". وأوضح أن المربين كانوا يعتمدون على موسمين متكاملين، حيث ترعى الأغنام في حقول القمح والشعير خلال الشتاء، ثم تتغذى بعد موسم الحصاد على مادتي الشعير والتبن المخزنتين طوال الصيف.
وأكد منيف الصالح أن سنوات النزوح ومنع الزراعة تسببت في فقدان المربين لمعظم قطعانهم، فـ"من كان يملك 500 رأس من الغنم، لم يعد يملك اليوم أكثر من 20 رأسًا، والبعض فقد كل ما يملك". وأشار إلى أن الأهالي، في ظل غياب المعامل والشركات والوظائف البديلة، وجدوا أنفسهم أمام خيار النزوح، إذ "طالما أنهم لن يستطيعوا زراعة أراضيهم، فسيضطرون للنزوح إلى المدن، أو البقاء في المخيمات، أو حتى اللجوء خارج البلاد بحثًا عن عمل يومي يوفر دخلًا لهم".
محمد عطية اليوسف، من قرية أبو حواديد، الذي ما زال يعيش في مخيمات النزوح بالشمال السوري، روى واقعًا مريرًا يمنعه من العودة إلى قريته. وقال لـ"عنب بلدي": "كنا نعيش من خير هذه الأرض. لم نكن نطلب مستحيلًا، نزرع لنحصد، نبيع لنعيش، ونخزن مؤونتنا ونرعى أغنامنا. كانت الأرض هي الستر والأمان".
ووصف منع الزراعة بأنها "ضربة قاضية لمصدر رزقنا الوحيد"، فالأرض التي كانت تطعمهم وتسترهم باتت اليوم بعيدة المنال أو غير قابلة للاستثمار. وتابع: "بعد أن كان الاعتماد الذاتي هو النهج من المحصول إلى الماشية، أصبحنا اليوم نواجه فراغًا كبيرًا. فلا الزراعة بقيت متاحة، ولا تربية المواشي ظلت ممكنة".
واختتم اليوسف شهادته بالتأكيد على أن "الشعور السائد اليوم هو فقدان الأمل نهائيًا في العودة من مخيمات النزوح إلى تلك الحياة المستقرة. القوانين وضعت عوائق تجعل من ’الرجعة‘ أمرًا شبه مستحيل".
لا يمانع أهالي المنطقة من تطبيق قرارات منع الفلاحة في عمق البادية والمناطق الصحراوية المفتوحة التي يرتادها الرعاة الرحل، لكنهم يطالبون بإلغاء فوري لقرار منع الفلاحة في التجمعات السكانية المأهولة، لتمكين المهجرين والنازحين من العودة إلى ديارهم.
طالب محمد نور درزي الأحمد الجهات المعنية بـ"تغيير هذا القانون الظالم والجائر"، والسماح لأهالي القرى بزراعة أراضيهم ذات "الطابو الأخضر" على الأقل، وتمديد خط المنع مسافة 15 كيلومترًا شرقًا، بما يضمن حماية القرى المأهولة البالغ عددها نحو 73 قرية وتجمعًا سكنيًا، أكبرها القساطل وطهمايز والهداج.
وقال عبد الستار محمد الأحمد: "الناس ينتظرون بشرى عودة الأمطار، وقرار السماح بالفلاحة سيشكل رابطًا للمزارع للعودة إلى قريته. الأرض هي الحل الوحيد لمنع التصحر الحقيقي وتحقيق استقرار المنطقة، بعيدًا عن القرارات التي لا تراعي واقع الإنسان البسيط".
أوضح حافظ الحمود، رئيس بلدية عقيربات، لـ"عنب بلدي" أن قانون منع الزراعة في البادية السورية الصادر عام 2006، جاء استجابةً لمطالبات أممية تتعلق بمكافحة التصحر والحفاظ على الغطاء النباتي، وهو ما جعله قرارًا لا يرتبط بجهات محلية أو سياسية محددة.
يمتد خط الفلاحة الممنوعة، بحسب الحمود، من شرق الخضيرة مرورًا بالمشتل، ليشمل قرى ومناطق واسعة من الجهة الجنوبية، أبرزها: المشيرفة، فخار، الروضة، الخلا، أبو حواديد، حانوتة، رسم الزعتر، والقساطل، بالإضافة إلى مناطق طهماز (مستريحة، تبارة)، ورجم الغزالة، والهداج، والمكامين، والتنباك.
وقدّم الحمود مقترحًا يهدف إلى إيجاد مخرج يحفظ معيشة السكان، يقضي بتخصيص مسافات أمان زراعية حول كل قرية، حيث يُسمح بالفلاحة ضمن نطاق كيلومترين في كل اتجاه (شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا)، مما يمنح كل ضيعة مساحة استثمارية تصل إلى 16 ألف دونم. ويأتي هذا المقترح كحل وسط لتمكين الأهالي من الاستفادة من أراضيهم، وتأمين قوت يومهم في ظل القيود الدولية المفروضة على المنطقة، بحسب الحمود.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي