الأسواق المتنقلة في الحسكة: شريان حياة لذوي الدخل المحدود ومتنفس في وجه غلاء المعيشة


هذا الخبر بعنوان "الأسواق المتنقّلة.. ملاذ ذوي الدخل المحدود في الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحولت الأسواق الشعبية المتنقلة في أحياء مدينة الحسكة إلى وجهة أساسية للسكان، الذين يبحثون عن سبل لتخفيف الأعباء المعيشية المتزايدة، وذلك في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والاستهلاكية في الأسواق الرئيسية والمتاجر داخل المدينة. ومع التراجع الملحوظ في القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الأهالي، أصبحت هذه الأسواق، التي تتنقل بين الأحياء في أيام محددة من الأسبوع، بمثابة متنفس اقتصادي حيوي للعديد من العائلات، خصوصًا ذوي الدخل المحدود والنازحين، الذين يعتمدون عليها لتأمين احتياجاتهم الأساسية بأسعار أقل بكثير من مثيلاتها في المتاجر التقليدية.
تنتشر هذه الأسواق الشعبية بشكل دوري في أحياء مثل الصالحية والطلائع والمفتي والعزيزية والمشيرفة وغويران، وتحمل أسماء الأيام التي تُقام فيها، كـ"سوق السبت" و"سوق الأحد"، في مشهد بات جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للسكان.
تؤكد فاطمة المحمد، سيدة خمسينية ترتاد السوق الشعبي في حي الصالحية أسبوعيًا، أن الأسواق المتنقلة أصبحت خيارًا لا غنى عنه لعائلتها، نظرًا للفارق الكبير في الأسعار مقارنة بالمحال التجارية. وأوضحت لعنب بلدي أن أسعار الخضار والمواد الأساسية في السوق الشعبي أقل بكثير، مشيرة إلى أن بعض الأصناف تُباع بنصف السعر المتوفر في المتاجر بمركز المدينة. وأضافت فاطمة أنها تحرص على مقارنة الأسعار بين البسطات قبل الشراء، إذ قد تظهر فروق واضحة حتى داخل السوق نفسه، مؤكدة أن العائلات محدودة الدخل لم تعد قادرة على التسوق من المحال التجارية بشكل دائم.
لا تقتصر الأسواق الشعبية على بيع الخضار والمواد الغذائية فحسب، بل تتسع لتشمل الألبسة والمفروشات والأدوات المنزلية وبعض المستلزمات اليومية، ما يجعلها سوقًا متكاملًا يلبي احتياجات الكثير من الأهالي.
من جانبها، تفضل نوال العلي، إحدى سكان حي غويران، السوق الشعبي القريب من منزلها لأنه يوفر عليها أجور النقل والوقت، خاصة مع صعوبة التنقل داخل المدينة بسبب الازدحام. وأضافت أن شراء مستلزمات أسرتها لوجبة غداء من السوق الشعبي قد يكلف نحو 40 ألف ليرة سورية، بينما تصل كلفة المواد نفسها في السوق الرئيسي إلى أكثر من ضعف هذا المبلغ أحيانًا.
يرى العديد من السكان أن جودة بعض المنتجات المعروضة في هذه الأسواق لا تختلف كثيرًا عن تلك المتوفرة في المحال التجارية، في حين يفضل آخرون التركيز على انخفاض السعر، حتى لو كانت الجودة أقل نسبيًا، وذلك نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرون بها.
لا تمثل هذه الأسواق فرصة للتسوق فحسب، بل غدت أيضًا مصدرًا للعمل والدخل لمئات الباعة الذين وجدوا فيها بديلًا عن الوظائف المفقودة أو الأعمال المحدودة في المدينة. ويعتمد العديد من الباعة على عرض بضائعهم فوق بسطات أو على الأرصفة والساحات العامة، ضمن أماكن جرى تنظيمها بشكل شبه ثابت منذ سنوات، حيث يعرف كل بائع موقعه واليوم الذي يعمل فيه.
يقول البائع خالد الحمد، إن انخفاض الأسعار يعود إلى غياب التكاليف المرتفعة التي يتحملها أصحاب المحال التجارية، مثل الإيجارات والضرائب وفواتير الخدمات. وأضاف أن الباعة يعتمدون على هامش ربح بسيط مقابل بيع كميات أكبر من السلع، ما يسمح لهم بالمنافسة وجذب الزبائن في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.
كما توفر الأسواق المتنقلة فرصًا للنازحين والعاطلين عن العمل، ممن اضطروا للبحث عن أي وسيلة تؤمن دخلًا يوميًا، سواء عبر بيع الخضار أو الملابس المستعملة أو المواد المنزلية البسيطة. ويشير سكان إلى أن هذه الأسواق توسعت خلال السنوات الأخيرة نتيجة لتدهور الأوضاع المعيشية، وازدياد الاعتماد على الأعمال الحرة الصغيرة، في ظل ضعف فرص العمل الرسمية داخل المدينة.
تقتصر رقابة الجهات المحلية على متابعة شروط النظافة العامة وضبط المواد الفاسدة أو منتهية الصلاحية، من خلال جولات دورية تنفذها البلدية على الأسواق. وبحسب باعة وأهالٍ، تعتمد الأسواق إلى حد كبير على التنظيم الذاتي، إذ جرى توزيع أماكن البسطات منذ سنوات بطريقة غير رسمية، واستمرت الآلية نفسها مع توسع النشاط التجاري في الأحياء.
ورغم ما قد تسببه هذه الأسواق أحيانًا من ازدحام أو إغلاق جزئي لبعض الطرقات، فإن كثيرًا من السكان يعتبرونها ضرورة معيشية لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الحالي.
يرى الخبير الاقتصادي عبد الله السلمان، أن انتشار الأسواق الشعبية المتنقلة في مدن محافظة الحسكة يعكس تغيرًا في أنماط الاستهلاك، نتيجة للتدهور الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم. وقال لعنب بلدي، إن هذه الأسواق تؤدي دورًا مهمًا في تأمين السلع الأساسية بأسعار أقل من الأسواق النظامية، لأنها تعتمد على تخفيض النفقات التشغيلية والبيع المباشر للمستهلك.
وأضاف السلمان أن الأسواق الشعبية تسهم أيضًا في خلق دورة اقتصادية محلية صغيرة، من خلال توفير فرص عمل للباعة والعمال وذوي الدخل المحدود، إلى جانب تحريك عمليات البيع والشراء داخل الأحياء. واعتبر أن استمرار الإقبال على هذه الأسواق يرتبط بتراجع القوة الشرائية للسكان، مشيرًا إلى أن العائلات باتت تبحث بشكل أساسي عن السعر الأقل، حتى على حساب بعض المعايير الأخرى المتعلقة بالجودة أو العلامات التجارية. وتابع أن هذه الأسواق يمكن أن تتحول إلى عنصر اقتصادي أكثر استقرارًا إذا جرى تنظيمها بشكل أفضل، عبر تخصيص أماكن مناسبة للبسطات وتحسين الرقابة الصحية والخدمية، بما يحقق مصلحة الباعة والمتسوقين معًا.
وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، تبدو الأسواق الشعبية المتنقلة في الحسكة أكثر من مجرد ظاهرة تجارية مؤقتة، إذ تحولت بالنسبة لآلاف السكان إلى وسيلة يومية للتكيف مع الظروف المعيشية الصعبة، ومحاولة تأمين الاحتياجات الأساسية بأقل التكاليف الممكنة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد