أسعار الأضاحي في سوريا: وفرة المراعي ترفع التكاليف وتضعف القدرة الشرائية قبيل العيد


هذا الخبر بعنوان "تحسن المراعي يضاعف أسعار الأضاحي في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تشهد أسواق المواشي في محافظة الحسكة وعموم منطقة الجزيرة السورية حركة بيع وشراء متفاوتة. يأتي ذلك وسط ارتفاع غير مسبوق في أسعار الأضاحي هذا العام، خلافاً للموسم الماضي الذي تميز بانخفاض الأسعار وزيادة الإقبال نتيجة الجفاف وتراجع تكاليف شراء المواشي. وفي حين استفاد مربو المواشي هذا العام من وفرة الأعشاب والمراعي الطبيعية بعد موسم مطري جيد، انعكس ذلك على أسعار المواشي التي ارتفعت بشكل كبير، بينما تراجع الإقبال الشعبي على شراء الأضاحي بسبب ضعف القدرة الشرائية للأهالي وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
تبدأ أسعار الأغنام المعدّة للأضاحي هذا العام من أربعة ملايين ليرة سورية، وقد تصل إلى ستة ملايين، وذلك بحسب الحجم والعمر والنوع. أما أسعار الكباش فتتراوح بين ثمانية وعشرة ملايين ليرة سورية، في حين يصل سعر الكبش الحرجي “المجنس” إلى نحو 20 مليون ليرة. وبالنسبة لأسعار الأبقار، فتتراوح بين 27 مليوناً و34 مليون ليرة، بينما تبدأ أسعار الماعز من ثلاثة ملايين ليرة سورية وتصل إلى خمسة ملايين.
وفي جولة داخل سوق المواشي في منطقة المشيرفة شمال الحسكة، بدت حركة البيع أقل من المتوقع مع اقتراب العيد، حيث يكتفي كثير من الأهالي بالتجول والسؤال عن الأسعار دون إتمام عمليات الشراء. وقال تاجر المواشي عبد الله الخلف، إن الأسواق تشهد وفرة في أعداد المواشي المعروضة هذا العام، لكن حركة الشراء “ضعيفة مقارنة بالأعوام السابقة”، موضحاً أن ارتفاع الأسعار يعود بالدرجة الأولى إلى تحسن المراعي الطبيعية وكثرة الأعشاب بعد موسم مطري جيد.
وأضاف الخلف أن المربين لم يعودوا مضطرين لبيع مواشيهم بأسعار منخفضة كما حدث العام الماضي، لأنهم وفروا جزءاً كبيراً من تكاليف الأعلاف، وهو ما منحهم قدرة أكبر على الاحتفاظ بالقطعان ورفع أسعارها.
خلال العام الماضي، عانى مربو المواشي في الحسكة من موجة جفاف حادة أدت، وفقاً لتاجر المواشي عبد الله الخلف، إلى تراجع المراعي الطبيعية وارتفاع أسعار الأعلاف، ما دفع كثيراً من المربين إلى بيع مواشيهم بأسعار منخفضة تجنباً للخسائر. وكانت أسعار الأغنام حينها تتراوح بين مليون ومليوني ليرة سورية، فيما تراوح سعر الأبقار بين أربعة وخمسة ملايين ليرة سورية، وفق معطيات الأسواق المحلية في موسم عيد الأضحى الماضي.
أما هذا العام، فقد انعكس تحسن الموسم الزراعي بصورة مختلفة تماماً، إذ وفرت المراعي الطبيعية الأعشاب اللازمة لتغذية القطعان، ما خفف اعتماد المربين على الأعلاف التجارية. وقال مربي المواشي محمود العلي، وهو من ريف الحسكة الغربي، إن “الربيع هذا العام أنقذ المربين من خسائر كبيرة”، موضحاً أن وفرة الأعشاب خففت بشكل كبير من تكاليف التربية.
وأضاف العلي أن رأس الغنم الواحد كان يحتاج العام الماضي إلى كميات كبيرة من الشعير والنخالة والتبن، ما كان يرفع تكلفة التربية شهرياً، بينما اعتمدت القطعان هذا الموسم بدرجة كبيرة على الرعي الطبيعي. ورغم تحسن أوضاع المربين نسبياً، يرى محمود أن الأسعار الحالية أصبحت فوق قدرة كثير من الأهالي، خاصة مع تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة. وقال، “الناس يأتون إلى السوق ويسألون عن الأسعار ثم يغادرون، لأن شراء أضحية بات يحتاج إلى مبلغ كبير لا يتوفر لدى معظم العائلات”.
تُعد الأغنام الحرجية أو “المجنسة” الأعلى سعراً في أسواق الحسكة هذا العام، نتيجة الطلب الكبير عليها، خصوصاً من دول الخليج التي تستورد هذا النوع من الأغنام. وأوضح تاجر المواشي خالد المطر، أن الأغنام الحرجية تتميز بجودة اللحم وكبر الحجم، ما يجعلها مرغوبة أكثر من الأغنام المحلية التقليدية.
وأضاف المطر أن سعر الكبش الحرجي قد يصل إلى نحو 20 مليون ليرة سورية، بحسب الوزن والسلالة، مشيراً إلى أن جزءاً من هذه الأنواع يُجهّز للتصدير إلى الأسواق الخليجية. وأضاف خالد أن التصدير أسهم أيضاً في رفع الأسعار محلياً، لأن الطلب الخارجي زاد من قيمة هذه السلالات مقارنة ببقية الأنواع. وقال، “هناك تجار يشترون أعداداً كبيرة بهدف التصدير، وهذا يؤثر بشكل مباشر على السوق المحلية”.
في المقابل، يعاني كثير من الأهالي من صعوبة تأمين ثمن الأضحية هذا العام، في ظل استمرار التراجع الاقتصادي وارتفاع أسعار مختلف المواد الأساسية. وقال أحد مرتادي سوق المواشي، ويدعى أحمد السالم، إن شراء أضحية أصبح “عبئاً ثقيلاً” على العائلات، موضحاً أن الأسعار تضاعفت عدة مرات مقارنة بالعام الماضي.
وأضاف السالم، “في العام الماضي كان بالإمكان شراء خروف بمليون أو مليونَي ليرة، أما اليوم فالأسعار تبدأ من أربعة ملايين، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لمعظم الناس”. وأضاف أحمد أن كثيراً من الأسر باتت تلجأ إلى الاشتراك في أضحية واحدة، أو الاستغناء عنها بالكامل هذا العام بسبب الأوضاع المعيشية. ولفت إلى أن الحركة داخل السوق لا تعكس اقتراب العيد كما في السنوات السابقة، إذ تغيب الازدحامات المعتادة وتقل عمليات الشراء الفعلية.
تُعرف أسواق المواشي في الحسكة باسم “الماكف”، وتُعد من أبرز المراكز الاقتصادية المرتبطة بحياة الريف والبادية في شمال شرقي سوريا. وتجمع هذه الأسواق بين المربين والتجار والدلالين و”الجمبازية” (السماسرة)، ضمن دورة تجارية متكاملة تبدأ من تربية المواشي في الأرياف، وصولاً إلى بيعها للمستهلكين أو تصديرها.
ويعتمد مربو المواشي على بيع الأغنام والأبقار والماعز كمصدر دخل رئيس، إلى جانب الاستفادة من الحليب والأصواف والمواليد. كما يلعب “الدلال” دور الوسيط بين البائع والمشتري، إذ يتولى فحص الماشية وتقدير سعرها بحسب العمر والوزن وجودة اللحم، مقابل عمولة مالية. ولا تزال مصطلحات مثل “الجلب” (مجموعة أغنام تنقل من الريف لسوق المواشي للبيع) و”الربج” (حبل تربط به المواشي داخل السوق) و”الجمبازي” (السمسار) متداولة بكثرة داخل هذه الأسواق، بما يعكس الطابع التقليدي لتجارة المواشي في المنطقة.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي فراس الحمد، إن ارتفاع أسعار الأضاحي هذا العام يرتبط مباشرة بتحسن الظروف الطبيعية مقارنة بالموسم السابق. وأوضح الحمد أن الجفاف في العام الماضي أجبر المربين على بيع مواشيهم بأسعار منخفضة نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف، بينما أدت وفرة المراعي هذا الموسم إلى تقليل النفقات وتحسين جودة القطعان، ما شجع المربين على رفع الأسعار.
وأضاف أن أسعار المواشي تتأثر بعدة عوامل، أبرزها تكاليف التربية، وأسعار الأعلاف، وحجم العرض والطلب، إضافة إلى حركة التصدير. وأشار الحمد إلى أن الطلب الخارجي على الأغنام الحرجية أسهم في رفع أسعارها محلياً، خصوصاً مع تفضيل الأسواق الخليجية لهذا النوع. لكنه يرى في المقابل أن الارتفاع الكبير للأسعار ترافق مع تراجع القوة الشرائية للأهالي، ما أدى إلى ضعف الإقبال على شراء الأضاحي رغم توفر المواشي بكثرة. وقال، “السوق يعيش حالة مفارقة، فالمربون مرتاحون نسبياً هذا العام بسبب تحسن المراعي، لكن المستهلكين يواجهون صعوبة حقيقية في شراء الأضاحي”.
تكشف المقارنة بين موسمي عيد الأضحى الماضي والحالي عن تبدل واضح في واقع أسواق المواشي بالحسكة. ففي العام الماضي، أدى الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف إلى انخفاض أسعار المواشي نتيجة اضطرار المربين للبيع، بينما شهدت الأسواق حركة شراء نشطة بسبب انخفاض الأسعار نسبياً. أما هذا العام، فقد انعكس تحسن الموسم المطري بصورة معاكسة، إذ ارتفعت أسعار المواشي بشكل كبير مع تراجع الإقبال الشعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة. ورغم اختلاف الظروف بين الموسمين، تبقى أسواق المواشي في الحسكة مرآة للواقع الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة، حيث تتداخل العوامل الطبيعية والمعيشية لتحدد شكل الحركة التجارية مع كل موسم عيد.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد