الدولة في مواجهة إرث النظام البائد: جهود إعادة البناء وشراكة المجتمع الأهلي


هذا الخبر بعنوان "الدولة بين إرثٍ متهالك وواقعٍ يُعاد بناؤه..دور العمل الدؤوب والمجتمع الأهلي في صناعة التحسّن" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: جمعان علي العمير
تجد الدولة الحالية نفسها واقفة على إرث بالغ الثقل والتعقيد، خلفه نظام بائد لم يكتفِ بإضعاف مؤسسات الدولة فحسب، بل عمل لسنوات طويلة على إفراغها من جوهرها وتحويلها إلى مجرد أدوات لخدمة مصالح ضيقة وشبكات فساد متشابكة. ورثت الدولة اقتصاداً يعاني من أمراض مزمنة، اقتصاداً متهالكاً تجاوز مرحلة الضعف ليصبح نظاماً ساقطاً في قاع المستنقع، نتيجة لعمليات تخريب ممنهجة. فقد استغل النظام البائد أذرعه الأمنية والمالية والإدارية لتقويض أي محاولة لبناء اقتصاد وطني حقيقي، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام شبكات الاحتكار والتهريب والسمسرة التي استنزفت موارد البلاد وحوّلتها إلى ثروات شخصية، بينما تُركت المؤسسات العامة لتنهار ببطء، وبقيت البنية الاقتصادية بلا حماية أو رؤية أو تخطيط. كان الهدف من كل ذلك ضمان بقاء السلطة القديمة عبر خلق اقتصاد هش يعتمد على الولاءات بدلاً من الإنتاج، وعلى الفساد بدلاً من القانون، وعلى الاستفادة الفردية بدلاً من المصلحة العامة.
لم يكن هذا الخراب المتراكم مجرد نتيجة لظروف عابرة، بل كان فعلاً مقصوداً ومخططاً له. فقد جرى استهداف القطاعات الحيوية بالضرب، وإضعاف آليات الرقابة، وتفكيك منظومات العمل، وخلق اقتصاد ظل موازٍ ابتلع الاقتصاد الرسمي. وهكذا، وجدت الدولة نفسها عند سقوط النظام البائد أمام واقع اقتصادي أشبه بجسدٍ استُنزف حتى آخر قطرة، ومؤسسات أُنهكت لدرجة فقدانها القدرة على أداء وظائفها الأساسية.
على الرغم من هذا الإرث الثقيل والظروف القاسية، بدأت الدولة الحالية جهودها لإعادة بناء ما تهدّم وإحياء المؤسسات التي جرى إفراغها، وترميم الاقتصاد الذي تعرض للتخريب المتعمد. تتجلى هذه الجهود في محاولات واضحة لإعادة تفعيل الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، وإعادة تنظيم القطاعات المختلفة، وفتح قنوات تواصل مع المجتمع، والسعي لتحسين الواقع المعيشي على الرغم من محدودية الموارد المتاحة. ورغم أن هذه الخطوات قد لا تكون كافية بحد ذاتها، إلا أنها تؤكد وجود إرادة حقيقية للعمل وإصرار على النهوض من تحت الركام.
في المقابل، لا يمكن إغفال السلبيات التي ما زالت قائمة وتعيق مسيرة الإصلاح. تشمل هذه السلبيات بطء معالجة الملفات المعيشية الملحة، ونقص الكوادر المؤهلة نتيجة سنوات الاستنزاف الطويلة، ووجود فجوات رقابية، وتفاوت في مستوى الأداء بين القطاعات، وضعف في الخطاب الإعلامي الموجه. إن الإشارة إلى هذه السلبيات لا تُعد هجوماً على الدولة، بل هي توصيف لواقع يتطلب إصلاحاً عميقاً وشاملاً. فالإرث الذي خلفه النظام البائد لا يمكن التخلص منه بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى وقت وصبر وعمل دؤوب ومستمر.
هنا يبرز الدور المحوري للمجتمع الأهلي، الذي يشكل شريكاً أساسياً لا غنى عنه في عملية البناء والإصلاح. فالمجتمع الأهلي قادر على تعزيز الإيجابيات من خلال دعم المبادرات الحكومية والمشاركة الفاعلة في حملات التوعية، وتقديم مبادرات خدمية وتنموية تسهم في تخفيف الضغط عن كاهل الدولة. كما يستطيع المساهمة بفعالية في معالجة السلبيات عبر رصد الأخطاء بروح من التعاون البناء، ومحاربة الفساد المجتمعي، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة، ونقل نبض الشارع بصدق وشفافية، والمشاركة في الحوار المحلي لإيجاد حلول واقعية ومستدامة.
إن الدولة اليوم لا تعمل على أرض مستوية، بل تنهض من تحت ركام ثقيل خلّفه النظام البائد. والمجتمع ليس مجرد متفرج، بل هو شريك فاعل وأساسي في هذه المسيرة. إن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عندما تتكامل الجهود وتتضافر الأيادي، ويعمل الجميع في الاتجاه ذاته نحو بناء دولة أقوى، واقتصاد أكثر صلابة، ومجتمع قادر على تجاوز تحديات الماضي وصناعة مستقبل أفضل للجميع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة