عمليات التجميل: جدل الحاجة الطبية وهوس الكمال.. مخاطر صحية ونفسية متزايدة


هذا الخبر بعنوان "التجميل من الحاجة الطبية إلى هوس الكمال.. أين تكمن المخاطر؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تقرير أعدته سيرين المصطفى، أعادت حادثة وفاة سيدة من مدينة حلب، عقب خضوعها لعملية تجميل، الجدل حول عمليات التجميل إلى الواجهة بقوة. هذه الواقعة أثارت تساؤلات عميقة حول متى تصبح هذه العمليات ضرورة طبية حتمية، ومتى تندرج ضمن الخيارات التجميلية البحتة، إضافة إلى المخاطر المحتملة ومعايير السلامة الواجب اتباعها، سواء في اختيار الطبيب المختص أو في التقييم الدقيق للحالة الصحية للمريض لضمان النتائج المرجوة وتجنب المضاعفات.
تتباين الآراء بشدة حول عمليات التجميل؛ فمنهم من يراها ضرورة لا غنى عنها في حالات معينة، خاصة عند وجود تشوهات خلقية أو مكتسبة، أو آثار صحية ونفسية سلبية. في المقابل، يعتبرها آخرون مجرد إجراء تجميلي غير ضروري يقع ضمن دائرة الرفاهية إذا لم تكن هناك حاجة طبية واضحة. وهناك من ينظر إليها كخيار شخصي بحت يرتبط بحرية الفرد في التصرف بجسده، مما يضع هذه الظاهرة في مساحة تتقاطع فيها القناعات الطبية والاجتماعية والشخصية.
في هذا السياق، شاركت رشا محمد طبشو، خريجة اختصاص البشرة والليزر وتعمل في مركز بمدينة الدانا في ريف إدلب، تجربتها لصحيفة "الثورة السورية" قائلة: "في عام 2018 تعرضتُ لقصف جوي، ما أثر بشكل كبير على شكل أنفي. دفعني ذلك لاحقاً لإجراء عملية تجميل في مدينة الدانا ضمن المركز الذي أعمل فيه، واستغرقت فترة علاجي وتعافيَّ نحو سنة كاملة".
وأضافت طبشو: "كانت تجربتي مع عملية التجميل إيجابية جداً، وأنا أنصح بها لمن يحتاجها، لأنها تمنح مظهراً أجمل، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الشكل الطبيعي دون تغيير كبير، وإنما تحسينه فقط عند الحاجة". وأشارت إلى أن اندفاع النساء نحو عمليات التجميل قد يرتبط بالرغبة في تحسين المظهر، لافتةً إلى أن الظروف التي مر بها السوريون دفعت كثيرين للسعي نحو التغيير للأفضل، سواء على المستوى النفسي أو الشكلي. وأكدت أنها لم تواجه مخاطر خلال العملية، بل تحسنت حالتها، حتى إنها استعادت حاسة الشم بعد أن كانت تعاني من فقدانها، معربةً عن رضاها الكبير عن النتيجة. وتابعت: "أرى أن قرار إجراء عمليات التجميل يعود إلى قناعة شخصية، لكنني أنصح كل فتاة تحتاج إلى مثل هذه الإجراءات، سواء كانت عملية أنف أو نحت أو شد أجفان أو غيرها، ألا تتردد إذا كان الهدف تحسين المظهر بشكل صحي ومدروس". وأردفت: "بصفتي أخصائية، أحب عملي مع المرضى وأسعى لتحقيق نتائج جميلة تسهم في تحسين مظهرهم، وأؤكد أن كل امرأة جميلة بطبيعتها، لكن يمكنها دائماً أن تسعى لتكون بإطلالة أجمل بما يعزز ثقتها بنفسها".
من جانبه، أوضح الدكتور أحمد الصطوف، اختصاصي الجراحة التجميلية والترميمية والحروق، في حديث لصحيفة "الثورة السورية"، أن اختصاص الجراحة التجميلية يشمل معظم عمليات التجميل والترميم المرتبطة بالإصابات والتشوهات والحروق والحالات الحربية، إضافة إلى التشوهات لدى الأطفال والتشوهات الناتجة عن أسباب طبيعية أو مكتسبة، فضلاً عن معالجة آثار الحروق وما ينتج عنها من تشوهات. وتحدث عن أبرز العمليات الشائعة في الوجه مثل شد الأجفان وعمليات الأنف وشد الوجه، بالإضافة إلى عمليات الثدي، وشد البطن وشفط الدهون، وكذلك شد الذراعين والفخذين.
وأضاف الدكتور الصطوف أن أغلب العمليات في المجتمع المحافظ تكون ضرورية أكثر من كونها بهدف التجميل فقط، بل ترتبط أحياناً بتأثيرات نفسية أو اعتبارات اجتماعية، مثل حالات الزواج أو بطلب من الزوج، مما يجعلها مقبولة ومطلوبة في بعض الحالات. وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً كبيراً في زيادة الإقبال على عمليات التجميل، محذراً من أن ما يُنشر عبرها ليس دائماً دقيقاً أو صحيحاً، وأن بعض الحالات تطلب إجراء عمليات استناداً إلى محتوى مضلل، مما يختلف عن الواقع الطبي.
وأكد أن التمييز بين الضرورة الطبية والعملية التجميلية البحتة يحدده الطبيب بالتعاون مع المريضة أو المريض، من خلال نقاش شامل حول طبيعة الحالة ومدى استدعائها للتدخل الجراحي. وفيما يتعلق بالمخاطر الصحية، أوضح أن هذه العمليات، كأي عمل جراحي، تنطوي على مخاطر، أبرزها مخاطر التخدير. وحذر من أن المخاطر الأكبر قد تظهر عندما يرغب المريض بإجراء أكثر من عملية جراحية في الوقت نفسه، أو الخضوع لعمليات كبيرة، مما يؤدي إلى إطالة زمن العملية وما قد يرافقه من تأثيرات خطيرة قد تصل في بعض الحالات إلى نتائج مميتة.
وتابع أن بعض عمليات التجميل قد تؤدي أيضاً إلى نتائج غير متوقعة، إذ قد يحدث تشوه في بعض الحالات رغم أن الهدف الأساسي كان تحسين الشكل. وبيّن أن درجة الخطورة تختلف من مريض إلى آخر بحسب نوع العملية والحالة الصحية، موضحاً أنه يُفضّل دائماً اختيار المريض المناسب، خاصة إذا كانت العملية تجميلية بحتة، وفي الحالات التي تكون فيها نسبة الخطورة مرتفعة يُفضّل عدم إجراء العمل الجراحي أو رفضه.
وأردف الدكتور الصطوف أن لكل عملية معاييرها الخاصة، مشدداً على أهمية اختيار الطبيب المناسب، ومنوهاً إلى أن الفوضى التي شهدها هذا المجال خلال السنوات الماضية أدت إلى تعدٍ على الاختصاصات، حيث بات بعض غير المختصين يجرون عمليات تجميلية، مما تسبب بظهور حالات سلبية عديدة. وحذّر من التعامل مع المراكز الطبية غير الموثوقة التي يكون هدفها الأساسي الربح، مؤكداً أن اختيار الطبيب الكفؤ والخبرة يلعبان دوراً حاسماً في نجاح العملية. كما نصح الراغبين بإجراء عمليات تجميلية بضرورة الاستفسار عن المضاعفات المحتملة والنتائج المتوقعة، والتحري بدقة عند اختيار الطبيب المختص وصاحب الكفاءة والخبرة.
من منظور نفسي، قالت الدكتورة إيمان تللو، خريجة كلية الطب البشري في جامعة حلب، واختصاصية الطب النفسي المصنفة لدى هيئة التخصصات الطبية السعودية، إن الرغبة في إجراء عمليات التجميل تعد ظاهرة معقدة تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية، وتمس صورة الذات والتوازن النفسي. وأوضحت، في تصريح خاص لصحيفة "الثورة السورية"، أن الدوافع النفسية وصورة الجسد ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بقرار اللجوء إلى التجميل، حيث تعبّر صورة الجسد عن الطريقة التي يرى بها الفرد نفسه ويشعر تجاه مظهره. وقد تكون الرغبة في استعادة الثقة بالنفس دافعاً لإجراء عمليات التجميل بعد تغيرات جسدية طبيعية، مثل الولادة أو التقدم في السن.
وأشارت الدكتورة تللو إلى أن اضطراب تشوه الجسم قد يكون دافعاً في بعض الحالات، حيث ينشغل الشخص بشكل مفرط بعيب بسيط أو متخيل، منوهةً إلى أن المشكلة في هذه الحالة لا تكمن في المظهر بقدر ما ترتبط بالإدراك الذهني له. وأردفت أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تشكيل معايير جمالية غير واقعية، لافتةً إلى أن الفلاتر أدت إلى ما يعرف بـ"سيلفي ديسمورفيا"، حيث تطمح بعض النساء للوصول إلى مظهر مفلتر يصعب تحقيقه بيولوجياً. وبيّنت أن المقارنة المستمرة عبر هذه المنصات مع صور مختارة ومعدلة قد تولد شعوراً بالنقص أو عدم الكفاية.
وأوضحت أن الانعكاسات النفسية لعمليات التجميل لا يمكن تعميمها، لأن النتائج ترتبط بطبيعة التوقعات والدوافع. فالجانب الإيجابي يظهر عندما يكون الهدف واقعياً لتحسين جزئية تسبب ضيقاً نفسياً، بينما قد تكون النتائج سلبية إذا كان الدافع محاولة حل مشكلات نفسية عميقة، الأمر الذي قد يقود إلى إدمان عمليات التجميل بحثاً عن كمال غير قابل للتحقق. وبيّنت أهمية التمييز بين الرغبة الطبيعية والدافع المرضي، مؤكدةً ضرورة التقييم النفسي قبل العمليات الكبرى، ليس بهدف المنع، بل للتأكد من أن الدوافع نابعة من قناعة شخصية وليست نتيجة ضغوط خارجية، وأن التوقعات واقعية، مع استبعاد وجود اضطرابات نفسية قد تتفاقم بعد الجراحة.
ووجهت الدكتورة تللو نصيحة للسيدات اللواتي يفكرن بإجراء عمليات تجميل، تقوم على طرح أسئلة تتعلق بالدوافع الحقيقية: هل الهدف إرضاء النفس أم الآخرين؟ وهل يمكن تقبل النتيجة دون انتظار ملاحظات خارجية؟ وهل جرت معالجة الأسباب النفسية بعيداً عن الجراحة؟ ولفتت، في ختام حديثها، إلى أن الجمال الحقيقي يقوم على التصالح مع الذات، وأن عمليات التجميل قد تغيّر الملامح لكنها لا تعالج المشكلات النفسية العميقة، مؤكدةً أن التجميل يجب أن يكون وسيلة لتعزيز الثقة بالنفس لا للهروب من الذات.
صحة
صحة
صحة
صحة