الذكرى الـ 78 للنكبة: فلسطين بين جرح 1948 وواقع النزوح والاستيطان المتجدد


هذا الخبر بعنوان "فلسطين في الذكرى الـ 78 للنكبة.. جرح لا يندمل وواقع يعيد إنتاج المأساة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
القدس المحتلة-سانا
تُحيي فلسطين اليوم الذكرى الـ 78 للنكبة، في ظل واقع يعيد إنتاج المأساة ذاتها، حيث يعيش أبناؤها ظروفاً قاسية تتشابك فيها موجات النزوح الواسعة في قطاع غزة مع تصاعد غير مسبوق في الاستيطان والاعتداءات الإسرائيلية بالضفة الغربية. هذا المشهد يمثل امتداداً مباشراً لفصول بدأت عام 1948 ولا تزال تتجدد بأشكال مختلفة.
وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد جرى تشريد نحو 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون نسمة كانوا يقيمون في حوالي 1300 قرية ومدينة يوم وقوع النكبة. اتجه هؤلاء المشردون نحو الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، إضافة إلى تهجير آخر داخل الأراضي المحتلة عام 1948. كما سيطر الاحتلال على 774 قرية ومدينة، ودمر منها 531 بالكامل، وشهدت تلك المرحلة أكثر من 70 مجزرة أودت بحياة آلاف الفلسطينيين.
ويشير الجهاز المركزي إلى أن عدد الفلسطينيين حول العالم يبلغ اليوم نحو 15.5 مليون نسمة، منهم 7.4 ملايين يعيشون في فلسطين التاريخية، ويتوزعون بواقع 3.43 ملايين في الضفة الغربية و2.13 مليون في قطاع غزة. أما في الشتات، فيعيش 8.1 ملايين فلسطيني، منهم 6.8 ملايين في الدول العربية.
في الذكرى الـ 78، يبدو ما حدث في الـ 15 من أيار 1948 أقرب إلى واقع ممتد منه إلى حدث تاريخي مضى. فبين مخيمات اللجوء والحدود المغلقة والمدن التي تبدلت ملامحها، يظل حق العودة حاضراً بقوة في الوعي والخطاب الفلسطيني. تستمر الحكاية بصيغ متعددة، لكن بجذر ثابت واحد هو: الفقد.
خرج الفلسطينيون من مدنهم مثل يافا وحيفا وصفد واللد والرملة، ولم يحملوا معهم سوى ما استطاعوا حمله في لحظة ارتباك قسري، تاركين خلفهم بيوتاً وأزقة وحقولاً تحولت لاحقاً إلى أسماء تتردد في الرواية الفلسطينية كمساحات غائبة لكنها حاضرة في الذاكرة. لم تكن تلك القرى مجرد جغرافيا، بل كانت حياة كاملة تضم مدارس وأسواق ومواسم حصاد وذاكرة اجتماعية متجذرة. ومع الرحيل، لم يغادر الناس المكان فقط، بل انقطعت أيضاً تفاصيل يومية كانت تشكّل معنى الاستقرار.
وقد أوجد تهجير مئات آلاف الفلسطينيين عام 1948 واحدة من أطول وأعقد قضايا اللجوء في العالم الحديث، حيث نشأت المخيمات في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والأردن كامتداد مباشر لذاك الحدث الأول.
في المخيمات، لم تعد الحياة مرحلة مؤقتة كما كان يفترض لها أن تكون. فالمنازل الإسمنتية المقامة فوق أرض غير مستقرة، والأزقة الضيقة، تختزن أجيالاً متعاقبة لم تعرف الوطن الأول إلا من خلال الحكايات. هناك، لم يتوقف الزمن عند لحظة الخروج، لكنه أيضاً لم يعد إلى نقطة البداية، بل تشكّل زمن ثالث، معلق بين الذاكرة والانتظار.
تُروى الحكايات من جيل إلى جيل، لا كحنين إلى الماضي فحسب، بل كهوية متكاملة. ولا تزال مفاتيح البيوت القديمة محفوظة لدى كثير من العائلات، وهي ليست مجرد قطع معدنية، بل رموز لفكرة وإيمان ثابت لا يتزحزح: الحق عائد لا محالة.
بالنسبة للفلسطينيين، لا تختصر النكبة في عام 1948، بل تُقرأ كمسار مستمر من التحولات التي لم تتوقف. من عدوان حزيران 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، إلى التوسع الاستيطاني الذي لم يتباطأ. ومع كل مرحلة، لم يكن التغيير يطال الأرض فقط، بل كان يمس تفاصيل الحياة اليومية: الحركة، والسكن، والزراعة، وحتى العلاقة مع المكان نفسه.
في هذا السياق، تتحول النكبة من حدث تاريخي إلى بنية مستمرة، تتبدل أدواتها لكنها تبقى في جوهرها محاولة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
في قطاع غزة، تتخذ الذاكرة بعداً أكثر قسوة. أجيال كاملة نشأت في ظل حصار ممتد، وحروب متكررة، ونزوح داخلي يتكرر في كل جولة. هناك، لا يعود مفهوم "العودة" مرتبطاً فقط بقرى 1948، بل أيضاً ببيوت داخل القطاع نفسه غادرها أهلها أكثر من مرة تحت القصف. في لحظات الحرب، تتداخل الأزمنة بشكل حاد: الماضي الذي لم يُحل، والحاضر الذي يعاد فيه إنتاج النزوح، والمستقبل المعلّق على احتمالات غير مستقرة.
في التجربة الفلسطينية، يتحول البيت إلى أكثر من مكان للسكن؛ يصبح فكرة ورمزاً وامتداداً للهوية. حتى حين يُهدم أو يُفقد، يبقى في الذاكرة الجمعية كصورة لا تتلاشى. لذلك، لا يُقرأ فقدان المنزل كحدث فردي، بل كجزء من فقدان جماعي ممتد، حيث يصبح الحنين جزءاً من تعريف الذات.
بعد 78 عاماً، تبقى النكبة أكثر من ذكرى سنوية، إنها ملف مفتوح وواقع إنساني ممتد وذاكرة جماعية لم تُغلق فصولها بعد. لم تعد حدثاً تاريخياً منفصلاً، بل مسار متواصل من التحولات التي تتخذ أشكالاً مختلفة: تهجير مباشر، وتوسع استيطاني، وتآكل تدريجي للجغرافيا الفلسطينية.
ويُوصف الواقع الحالي بأنه انتقال من النكبة كحدث إلى النكبة كحالة مستمرة، تتجدد في غزة عبر الحروب المتكررة، وفي الضفة عبر الاستيطان والتضييق والقمع اليومي، وفي القدس عبر سياسات التغيير الديموغرافي. وبين الأرقام الثقيلة والقصص الإنسانية، يبقى السؤال الفلسطيني الأساسي حاضراً: هل يمكن أن يتحول التاريخ إلى عدالة، أم أن النكبة ستظل عنواناً مفتوحاً على أجيال جديدة؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة