إعلام شمال شرقي سوريا: بين المهنية والتعبئة.. من يوجه رواية 'قسد'؟


هذا الخبر بعنوان "بين المهنية والتعبئة.. من يكتب رواية “قسد” الإعلامية؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» و«قوات سوريا الديمقراطية» شمال شرقي سوريا خلال السنوات الماضية، تطورًا ملحوظًا في المشهد الإعلامي. هذا المشهد، الذي يضم وكالات أنباء وقنوات تلفزيونية وإذاعات ومواقع إلكترونية، أصبح أداة رئيسية لنقل الخطاب السياسي والعسكري لـ«الإدارة الذاتية»، وفي الوقت نفسه، مثار جدل حول مدى مهنيته واستقلاليته. تشمل هذه المنظومة مؤسسات متنوعة مثل وكالة «هاوار»، وقناة وصحيفة «روناهي»، وقناة «اليوم»، ووكالة «جينها»، ووكالة «نورث برس»، بالإضافة إلى إذاعات محلية كـ«خابور» و«أوركيش». تتقاطع هذه الوسائل في تغطية الملفات السياسية والعسكرية، رغم تباين أساليبها التحريرية.
يرى الصحفي والباحث السوري سامر الأحمد أن فهم هذا المشهد الإعلامي لا يمكن فصله عن البنية السياسية والأمنية التي تعمل ضمنها هذه المؤسسات. ويشير إلى أن الإعلام في مناطق «الإدارة الذاتية» نشأ وتطور في سياق صراع طويل، ما جعله مرتبطًا بالخطاب السياسي العام. في المقابل، يوضح صحفي كردي من الحسكة، فضّل عدم ذكر اسمه، أن المنظومة الإعلامية لا تُفهم فقط من زاوية البنية السياسية، بل أيضًا من زاوية السيطرة على المجال الإعلامي، مؤكدًا أن الإعلام يعمل ضمن مستويات مختلفة، بعضها حزبي مباشر والآخر يُقدَّم كمستقل لكنه يتحرك ضمن البيئة ذاتها.
تُظهر متابعة المواد الإعلامية الصادرة عن وسائل الإعلام المقربة من «الإدارة الذاتية» تقاطعًا واضحًا في المصطلحات المستخدمة، سواء في تغطية الملفات العسكرية أو السياسية أو الإدارية. يستمر استخدام توصيفات مثل «مرتزقة الاحتلال التركي» عند الحديث عن الجيش الوطني السوري، أو توصيفات سياسية مرتبطة بالمعارضة السورية السابقة. يفسر سامر الأحمد هذا التشابه بأنه ليس مجرد صدفة لغوية، بل يعكس وحدة في المرجعية السياسية التي تنتج هذه اللغة، مشيرًا إلى أن اللغة الإعلامية هنا مرتبطة بتجربة حرب طويلة أنتجت مفرداتها الخاصة. أما الصحفي الكردي فيرى أن هذا التشابه ناتج عن سقف سياسي غير معلن، حيث يدرك الصحفيون مسبقًا حدود النقد المسموح والخطوط الحمراء، ما يؤدي إلى إنتاج خطاب متقارب حتى دون تعليمات مباشرة، مضيفًا أن غياب التوجيه اليومي لا يعني غياب السيطرة، بل وجود إطار عام يضبط العمل الإعلامي.
تسعى بعض المؤسسات الإعلامية، مثل وكالة «نورث برس» وقناة «اليوم»، إلى تقديم نفسها كمنصات أكثر مهنية واستقلالية، عبر اعتماد لغة صحفية أقل حدة مقارنة بوسائل أخرى كـ«هاوار» أو «روناهي». يرى سامر الأحمد أن هذه الفروقات تتعلق بدرجة الاحتراف في تقديم الخطاب أكثر من اختلافه، موضحًا أن بعض المؤسسات طورت أدواتها الصحفية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة مع الانفتاح على الإعلام الدولي. ومع ذلك، يؤكد الصحفي الكردي أن هذه المهنية تبقى شكلية في بعض الحالات، فالاختلاف في الأسلوب لا يغير من حقيقة أن الخطوط السياسية الكبرى تبقى واحدة، خاصة في القضايا الحساسة، وتتراجع المهنية بشكل واضح عند الملفات الأمنية والعسكرية، حيث يصبح الخطاب أقرب إلى التعبئة منه إلى الصحافة.
يشير سامر الأحمد إلى أن تأثير هذه الوسائل الإعلامية ليس موحدًا داخل مناطق شمال شرقي سوريا، حيث يكون حضورها أقوى في المناطق الكردية بسبب النفوذ السياسي والإداري لـ«الإدارة الذاتية». أما في مناطق دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة ذات الغالبية العربية، فيكون التعامل مع هذه الوسائل براغماتيًا أكثر، إذ يتابعها السكان للحصول على المعلومات الخدمية دون تبني روايتها السياسية. يضيف الصحفي الكردي أن هذا التفاوت مرتبط أيضًا بالثقة السياسية، فجزء من الجمهور يتابع هذه الوسائل باعتبارها المصدر الرسمي الوحيد للمعلومات، بينما يتعامل معها آخرون بحذر أو مسافة نقدية.
يكشف صحفي سابق عمل في إحدى المؤسسات الإعلامية التابعة لـ«الإدارة الذاتية» في الرقة، عرّف نفسه باسم «علي»، أن العمل الإعلامي لم يكن قائمًا على اجتهادات فردية، بل كان يخضع لسقف سياسي واضح. يرى سامر الأحمد أن هذا التنظيم أقرب إلى بيئة إعلامية مرتبطة بالسلطة السياسية، حيث تتداخل السياسة بالإعلام بشكل كبير، دون أن يلغي ذلك وجود محاولات مهنية داخل بعض المنصات. في المقابل، يؤكد الصحفي الكردي أن هذه الشهادات تعكس جانبًا مهمًا من الواقع، حيث تحدّ التعليمات غير المباشرة أو المباشرة من حرية التحرير، حتى لو اختلفت درجة التطبيق، مشيرًا إلى أن بعض المصطلحات كانت تُفرض بشكل إلزامي، خاصة في القضايا السياسية والعسكرية.
في سياق الحديث عن إدارة الملف الإعلامي، يتكرر اسم القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي، آلدار خليل، رغم عدم وجود هيكلية رسمية معلنة تحدد طبيعة هذه العلاقة. يوضح سامر الأحمد أن الإعلام في هذه الحالة جزء من بنية سياسية أوسع، حيث تعمل المؤسسات الإعلامية ضمن شبكة نفوذ مرتبطة بـ«الإدارة الذاتية»، ما يجعل الفصل بين الإعلام والسياسة أمرًا معقدًا. أما الصحفي الكردي فيرى أن العلاقة ليست فقط سياسية بل تنظيمية أيضًا، مضيفًا أن كوادر حزب العمال الكردستاني تسيطر على مفاصل القرار، ما يجعل الإعلام جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة الخطاب العام.
واجهت «الإدارة الذاتية» انتقادات متكررة من منظمات حقوقية، بينها «مراسلون بلا حدود»، بشأن قيود على حرية الصحافة واعتقالات طالت صحفيين خلال السنوات الماضية. يرى سامر الأحمد أن هذه الاتهامات تعكس وجود إشكال حقيقي في البيئة الإعلامية، لكنه يضيف أن جزءًا من ذلك مرتبط بطبيعة الصراع المستمر وعدم استقرار المنطقة. يذهب الصحفي الكردي أبعد من ذلك، مؤكدًا أن التضييق على الصحفيين قائم بشكل واضح، مشيرًا إلى أن بعض الصحفيين تعرضوا لاعتقالات أو تهديدات بسبب تغطيات ناقدة، وأن غياب قانون إعلامي مستقل يجعل البيئة الإعلامية عرضة للضبط الأمني والسياسي.
يعتبر سامر الأحمد أن الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» شكّلت نقطة تحول أساسية في تطور الإعلام في شمال شرقي سوريا، حيث تحولت وسائل إعلام محلية محدودة إلى شبكة واسعة متعددة اللغات، ما جعل الإعلام جزءًا من سردية الحرب وبناء الشرعية السياسية والعسكرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية». في المقابل، يرى الصحفي الكردي أن هذا التحول لم يكتمل باتجاه إعلام إدارة ومساءلة، موضحًا أن الإعلام بقي أقرب إلى أدوات التعبئة، ولم يتحول إلى سلطة رقابية مستقلة.
يتفق الطرفان على وجود نقد محدود داخل وسائل الإعلام التابعة لـ«الإدارة الذاتية»، لكنهما يختلفان في تفسير حدوده. يقول سامر الأحمد إن النقد موجود لكنه محدود بالملفات الخدمية والإدارية، مشيرًا إلى أن القضايا الأمنية والعسكرية تبقى خارج نطاق النقد الجاد. أما الصحفي الكردي فيؤكد أن النقد يتوقف بالكامل عند الملفات الحساسة، مضيفًا أن حتى المواضيع البسيطة قد تخضع لاعتبارات سياسية إذا ارتبطت بالسياق العام.
يواجه الصحفيون في شمال شرقي سوريا، وفق الطرفين، مجموعة من التحديات تشمل الضغوط الأمنية، وضعف التمويل، وغياب المؤسسات المستقلة، إضافة إلى التهديدات المرتبطة بالعمل في مناطق النزاع. يرى سامر الأحمد أن أبرز التحديات هي استمرار عدم الاستقرار وغياب بيئة إعلامية آمنة ومستقلة بالكامل. في المقابل، يشدد الصحفي الكردي على أن التحدي الأكبر هو التوازن بين السلامة الشخصية والاستقلال المهني، في ظل بيئة يُنظر فيها إلى الإعلام كجزء من الصراع السياسي.
بين رأي سامر الأحمد الذي يركز على البنية السياسية والتاريخية للإعلام، ورؤية الصحفي الكردي التي تشدد على حدود الحرية والسقف غير المعلن، يتضح أن المشهد الإعلامي في مناطق «الإدارة الذاتية» يجمع بين تعددية في المنصات ووحدة في الإطار العام. فبينما يرى الأحمد أن التطور المهني موجود لكنه محكوم بالسياق السياسي، يعتبر الصحفي الكردي أن هذا السياق نفسه هو ما يحدد جوهر العمل الإعلامي ويحد من استقلاليته. وبين هذين التصورين، يبقى الإعلام في شمال شرقي سوريا مساحة تتقاطع فيها السياسة بالصحافة، وتتداخل فيها الرواية مع الخبر، في بيئة لم تستقر بعد على نموذج إعلامي واضح بين المهنية والتعبئة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة