ميخائيل عوض: زيارة ترامب لبكين إعلان انتقال مركز العالم وتراجع الهيمنة الأمريكية


هذا الخبر بعنوان "الكاتب والباحث ميخائيل عوض: الصين قادمة…باي باي أمريكا ..بكين ليست محطة دبلوماسية… بل إعلان انتقال مركز العالم*" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحليل عميق للكاتب والباحث ميخائيل عوض، لم تكن زيارة دونالد ترامب إلى الصين مجرد لقاء دبلوماسي عادي، بل اعتبرها مسرحاً أعلن للعالم بداية تحول مركز الثقل الدولي من الغرب الأنجلوسكسوني إلى الشرق الآسيوي. يرى عوض أن ما حدث في بكين لم يكن لقاء بين قوتين متكافئتين، بل مشهداً يرمز إلى انكسار الهيبة الأمريكية أمام صعود صيني واثق من نفسه، ثابت الخيارات، ومدرك أن الزمن التاريخي بات يعمل لصالحه.
أهداف ترامب ونتائج معاكسة
ذهب ترامب إلى الصين، بحسب عوض، محملاً بأهداف كبرى مثل إخضاع بكين، ليّ ذراعها اقتصادياً، ابتزازها بورقة الطاقة، وإجبارها على التموضع ضمن الحرب الأمريكية ضد إيران ومحور المقاومة. إلا أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً: الصين لم تخضع أو تتراجع، بل تعاملت مع الولايات المتحدة من موقع الندّية المتفوقة، بينما بدا ترامب محاصراً بأزماته الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وهكذا، تتحول عبارة “الصينيون قادمون… باي باي أمريكا” من مجرد عنوان إلى توصيف لمسار تاريخي يتشكل أمام أعين العالم.
الحرب على إيران: المعركة التي كسرت المشروع الأمريكي
يربط عوض بين نتائج زيارة بكين والفشل الأمريكي في الحرب على إيران. فالمعركة، برأيه، لم تعد تدور حول إسقاط النظام الإيراني، بل انتقلت إلى مستوى جديد: من يسيطر على مضيق هرمز؟ ومن يملك القدرة على تهديد الاقتصاد العالمي؟ يعتقد عوض أن إيران نجحت في نقل ميدان الصراع من داخلها إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي، ليصبح العالم كله قلقاً من إغلاق هرمز. من هذه الزاوية، يقرأ عوض الموقف الصيني، حيث لم تنضم الصين إلى الحصار الأمريكي، بل عززت تعاونها مع إيران، ورفضت تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز أمريكية. ويرى أن إعلان ترامب حول “حرية الملاحة” لم يكن إنجازاً أمريكياً، بل تكريساً للرؤية الإيرانية – الصينية المشتركة: حرية الملاحة للجميع، إلا لمن يستخدم العقوبات والحصار وسيلة للهيمنة.
تايوان: خط أحمر صيني
في تحليل عوض، لم يكن ملف تايوان تفصيلاً بروتوكولياً، بل أحد أكثر الملفات حساسية. فقد أبلغت الصين ترامب بوضوح غير مسبوق أن تايوان قضية سيادية غير قابلة للتفاوض، وأن أي محاولة أمريكية للعب بهذه الورقة ستفتح مواجهة كبرى. ويشير إلى أن لغة القيادة الصينية كانت لغة قوة صاعدة تعرف حجمها وموقعها في النظام الدولي الجديد. حتى الشكل البروتوكولي للزيارة عكس هذا التحول، حيث اضطر الوفد الأمريكي للتخلي عن أجهزته الإلكترونية، واستعرضت الصين تفوقها التكنولوجي والتنظيمي والسيادي بطريقة رمزية عميقة الدلالة. يرى عوض أن بكين لم تعد تتصرف كدولة تخشى العقوبات، بل كقوة عالمية تضع خطوطاً حمراء للولايات المتحدة نفسها.
العالم ينفضّ عن واشنطن
يؤكد عوض أن أخطر ما تواجهه أمريكا اليوم هو انهيار شبكة الهيمنة التي بنتها بعد الحرب العالمية الثانية. فالدول التي كانت تدور في الفلك الأمريكي بدأت تعيد حساباتها: أوروبا تبحث عن حلول مستقلة، كوريا الجنوبية لم تعد متحمسة للحروب الأمريكية، اليابان تبحث عن الطاقة الروسية، دول الخليج تخفف اندفاعتها نحو المشروع الإسرائيلي، وحتى الإمارات بدأت “تفكر بالقفز من السفينة الغارقة”. العالم لم يعد يخاف أمريكا كما في السابق، لأن صورة القوة التي لا تُهزم سقطت في العراق وأفغانستان واليمن وغزة وإيران. والأهم أن الهيمنة الأمريكية لم تعد قادرة على إنتاج الإقناع بأنها الحامية، بل باتت تُرى كمنظومة ابتزاز وحصار وقرصنة اقتصادية.
أمريكا: إمبراطورية هرمة في طور الانحسار
يرفض عوض فكرة التعامل مع الولايات المتحدة كقوة أبدية، ويذكر بأن مفكرين أمريكيين كتبوا عن “العالم ما بعد أمريكا”. يعتبر أن ما يجري اليوم ليس حادثاً عابراً، بل بداية تفكك البنية التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأزمة الاقتصادية، الانقسام الداخلي، التضخم، التراجع الصناعي، الانكفاء الاجتماعي، وتآكل الثقة بالحلم الأمريكي، كلها مؤشرات يراها عوض دلائل على أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة الانحدار البنيوي، وأن العالم بدأ يقول فعلياً: “باي باي أمريكا”.
الصين: بديل جذاب
لا تكمن قوة الصين، في رؤية عوض، في اقتصادها أو تكنولوجيتها فقط، بل في طبيعة علاقتها مع الدول الأخرى. فالصين لا تأتي بالجيوش لاحتلال الشعوب، بل بالمصانع والاستثمارات والتبادل التجاري، وهي قوة تبحث عن المصالح المتبادلة. يعقد مقارنة حادة بين النموذج الأنجلوسكسوني القائم على التوحش (حروب، حصار، نهب) والنموذج الصيني القائم على تقاطع المصالح والشراكة (اقتصاد، تصنيع، استثمارات). ولهذا، يرى أن كثيراً من دول العالم باتت تميل طوعاً نحو الصين، لأنها ترى فيها فرصة للنهوض.
الخطر الحقيقي: بغداد وبيروت
في أخطر محاور قراءته، يحذر ميخائيل عوض من أن واشنطن وتل أبيب، حتى وهما في حالة تراجع، لا تزالان قادرتين على إنتاج الفوضى. يرى أنه عندما تفشل الإمبراطوريات في الحروب الكبرى، فإنها تنتقل إلى حروب بديلة: حروب التفكيك الداخلي، تصنيع الانقسامات، وإنتاج سلطات رخوة. ومن هنا، ينتقل إلى التحذير من الساحتين العراقية واللبنانية، معتبراً أن “الحرب الحقيقية” قد تُدار عبر ترتيبات سياسية وأمنية داخل بغداد وبيروت. في لبنان، يعتبر أن ما يجري في واشنطن ليس “تفاوضاً” بل عملية استدعاء وفرض تهدف إلى إنتاج سلطة تمنح الشرعية للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي، وتمهد لتدخل قوات دولية (المارينز والجيش الإسرائيلي) بحجة حصر السلاح. وفي العراق، يبدي قلقاً من التحولات السياسية الجارية ومحاولات تفكيك قوى المقاومة وإعادة تشكيل السلطة بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، محذراً أصحاب الشأن في إيران من أن تجاهلهم لما يجري في الساحة العراقية خطر حقيقي يهدد أي إنجاز إيراني.
من الحرب العسكرية إلى حرب تفكيك الدول
يرى عوض أن واشنطن، بعد عجزها عن إسقاط إيران عسكرياً، انتقلت إلى نمط مختلف من الاشتباك: إعادة هندسة المشرق العربي عبر الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية. في هذا السياق، تصبح بغداد وبيروت ساحتي اختبار أساسيتين. فالهدف لم يعد احتلال العواصم بالدبابات، بل خلق سلطات محلية تمنح الغطاء الشرعي للمشروع الأمريكي – الإسرائيلي، وتنفذ المطلوب بأدوات داخلية تحت عناوين “الشرعية الدولية” و”الإصلاح” و”ضبط السلاح”، كما في السلطة الفلسطينية وسلطة الأمر الواقع في دمشق وسلطة أبو عمر في لبنان، ويحذر من نموذج “الزيدي” في العراق. ويؤكد أن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس الحرب المباشرة، بل “التوقيع المحلي” على مشاريع التفكيك.
واشنطن لا تفاوض أدواتها بل تستدعيهم للإبلاغ
في توصيف شديد القسوة، يرفض عوض وصف ما يجري بين واشنطن وبعض المسؤولين في سلطة الأمير المزيف في لبنان بأنه “تفاوض”. فالتفاوض، برأيه، يفترض وجود طرفين يمتلكان الإرادة والندية، بينما ما يجري هو “استدعاء للإبلاغ وأوامر للتنفيذ”. أي أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع السلطة اللبنانية كشريك، بل كأداة مطلوب منها إعطاء الغطاء السياسي والقانوني والإعلامي لما يُراد تنفيذه ميدانياً. ويحذر من خطورة البيانات الرسمية والاتفاقات التي قد تبدو تقنية، لأنها قد تتحول لاحقاً إلى غطاء قانوني يسمح بإعادة إنتاج الوصاية الأمنية والسياسية على لبنان، وتدمير لبنان، وشرعنة التدخلات الأمريكية، ومنح إسرائيل حرية الحركة، وتحويل الدولة إلى أداة ضغط، وفتح الباب أمام أشكال جديدة من الاحتلال المقنع.
هدف المشروع: ساحل الشام… الجنوب… والزهراني
يربط عوض بين ما يجري سياسياً وبين مشروع جغرافي – اقتصادي أخطر بكثير. فهو يرى سعياً أمريكياً – إسرائيلياً لإعادة تشكيل الساحل الشرقي للمتوسط وربطه بممرات الطاقة والنقل والتطبيع. ويفسر التصعيد المتكرر حول الجنوب اللبناني والساحل والزهراني بأنه محاولة لتغيير وظيفة الجغرافيا اللبنانية نفسها. فالمطلوب، بحسب تحليله، تفريغ بيئات معينة من عناصر القوة، وتحويل مناطق استراتيجية إلى فضاءات اقتصادية مرتبطة بالمشروع الغربي، وإعادة بناء السلطة لتكون حارساً لهذا التحول. ويحذر من أن التهجير والتدمير والضغوط الاقتصادية ليست أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من مشروع متكامل لإعادة تشكيل لبنان سياسياً وديموغرافياً واقتصادياً.
المواجهة الاستباقية ووعي عابر للطوائف: ثلاثية كسر المشروع الخبيث في لبنان
لم يكتفِ ميخائيل عوض بالتحذير من خطورة المسار في لبنان، بل طرح سلسلة من أساليب المواجهة لمنع تمرير المشروع الأمريكي – الإسرائيلي: أولاً، كشف حقيقة ما يجري وعدم التعامل معه كتفاوض طبيعي، وفضح طبيعة المسار الحقيقي. ثانياً، رفض منح الشرعية لأي ترتيبات تمسّ المقاومة أو بيئتها الحاضنة، ورفض أي تفويض رسمي يسمح باستهداف المقاومة أو إعادة تشكيل الوضع الأمني بما يخدم إسرائيل. ثالثاً، المواجهة الاستباقية وعدم انتظار وقوع المشروع، عبر خطوات استباقية وتعبئة سياسية وشعبية. رابعاً، إعادة بناء حالة سياسية وشعبية عابرة للطوائف، ورفض اختزال المسألة بصراع مذهبي. سادساً، التمسك بعناصر القوة وعدم تسليمها، فالسلاح في بيئة تتعرض لخطر الإبادة ليس تفصيلاً. سابعاً، تحويل المواجهة إلى معركة وعي، عبر قراءة الوقائع وتحليل المؤشرات وفهم التحولات الدولية الكبرى.
بغداد: نقطة المقتل للنصر الإيراني
في العراق، يبدو قلق عوض أكثر تعقيداً. فهو يطرح أسئلة تحذيرية حول التحولات السياسية الأخيرة، ويرى فيها مؤشرات على محاولة أمريكية لإعادة الإمساك بالساحة العراقية عبر أدوات جديدة. واشنطن، بحسب رؤيته، أدركت أن المواجهة العسكرية المباشرة مع فصائل المقاومة لم تحقق أهدافها، فانتقلت إلى العمل على تفكيك التحالفات الداخلية، وإعادة إنتاج نخب سياسية جديدة، وإبعاد القوى المرتبطة بالمقاومة عن القرار التنفيذي، وتحويل الدولة العراقية تدريجياً إلى سلطة وظيفية متناغمة مع المشروع الأمريكي. ويقرأ عوض بعض التفاهمات والتحولات الحكومية باعتبارها جزءاً من معركة أكبر على هوية العراق وموقعه في الصراع الإقليمي. ويتساءل عن هوية “علي الزيدي” الذي أزاحت أمريكا المالكي لصالحه، وعن أصوات حصرية السلاح، محذراً إيران من أن أي نصر عسكري سيتبدد إذا لم تتنبه لخطورة ما يُعد لها في العراق.
الخطر الأكبر: خسارة الرافدين والشام
في قلب هذا التحليل، يطرح عوض فكرة مصيرية: حتى لو ربحت إيران المواجهة الكبرى في الخليج أو فرضت معادلات جديدة في مضيق هرمز، فإن خسارة العراق أو الشام تعني انقلاب التوازن الاستراتيجي كله ونهاية إيران نفسها. فالعراق وسوريا ولبنان، في نظره، ليست ساحات منفصلة، بل المجال الحيوي الذي يحدد مستقبل التوازن الإقليمي كله. وأي اختراق كبير فيها قد يسمح للولايات المتحدة وإسرائيل بإعادة إنتاج مشروع الهيمنة حتى بعد التراجع العسكري المباشر.
الخطر داهم لكنه قابل للمواجهة
رغم قتامة المشهد، لا يطرح عوض الأمور بوصفها قدراً محتوماً. بل يرى أن المشروع الأمريكي – الإسرائيلي يواجه أزمة عميقة لأنه يتحرك في بيئة إقليمية تغيرت جذرياً: أمريكا لم تعد القوة المطلقة، وإسرائيل تعاني استنزافاً غير مسبوق، والشعوب فقدت الثقة بالرواية الغربية، والمحور المقابل راكم خبرات وقوى ردع. لكن المشكلة، بحسب طرحه، تكمن في سوء التقدير والاطمئنان الزائد، أو في تحويل الانتصارات العسكرية إلى غفلة سياسية. ولهذا يكرر الدعوة إلى الانتباه للتحولات الناعمة، وقراءة الوقائع لا الشعارات، وعدم التسليم بأن التراجع الأمريكي يعني انتهاء الخطر، فالأمريكي والأنجلوساكسوني والصهيوني يتكيفون مع الهزائم ويبدلون أدواتهم باستمرار، وينتقلون من الحرب العسكرية إلى الحرب السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية.
العالم الجديد: زمن المصالح لا زمن البلطجة
يختتم عوض قراءته بالقول إن البشرية تدخل مرحلة جديدة عنوانها التعاون لا الهيمنة، والتكامل لا الاحتلال. العالم لم يعد يقبل بمنطق “الشرطي الأمريكي” أو “القرصان الأمريكي” الذي يفرض إرادته بالقوة والعقوبات. بل يتجه نحو تعددية قطبية تقودها قوى صاعدة، في مقدمتها الصين وروسيا وآسيا. ولهذا يعتبر أن ما جرى في بكين ليس مجرد زيارة سياسية، بل لحظة تأسيسية لعالم جديد يقول فيه الشرق بثقة متزايدة: لقد انتهى زمن القطب الواحد. والصينيون قادمون… باي باي أمريكا. (أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة