سوريا ولبنان: مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية بين الفرص الاقتصادية وتحديات الماضي


هذا الخبر بعنوان "سوريا ولبنان أمام اختبار تصحيح العلاقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع التحولات السياسية العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين، دخلت العلاقات السورية-اللبنانية مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن العقود السابقة التي اتسمت بالتوتر والتداخل الأمني والسياسي المعقد. فبعد سنوات طويلة كانت فيها العلاقة بين دمشق وبيروت محكومة بإرث الحرب السورية، والانقسام اللبناني الداخلي، والتجاذبات الإقليمية، بدأت مؤشرات إعادة صياغة هذه العلاقة تظهر تدريجيًا. هذه المؤشرات مدفوعة بتغير موازين القوى في سوريا، ووجود رغبة متبادلة لدى الطرفين لفتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والتنسيق المباشر بين الدولتين.
في هذا السياق، برزت خلال الأشهر الماضية سلسلة من الخطوات السياسية والرمزية التي عكست محاولة لإعادة بناء الثقة بين الجانبين، سواء عبر اللقاءات الرسمية المتكررة، أو من خلال الخطاب السياسي الذي حمل نبرة مختلفة عما كان سائدًا خلال السنوات الماضية. وكان الرئيس السوري، أحمد الشرع، قد أرسل أكثر من إشارة باتجاه لبنان، مؤكدًا خصوصية العلاقة بين الشعبين، وضرورة تجاوز ما أفسدته السياسات خلال العقود السابقة، في محاولة لتقديم مقاربة جديدة للعلاقة الثنائية تقوم على التوازن وعدم الغلبة.
تعزز هذا المسار مع الزيارة الأخيرة التي أجراها رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إلى دمشق، والتي جاءت في إطار استكمال المشاورات السياسية بين البلدين، وبحث الملفات العالقة التي تراكمت خلال السنوات الماضية. وشكّلت الزيارة مؤشرًا إضافيًا على وجود توجه رسمي لدى الطرفين لإعادة تنظيم العلاقة على أسس مختلفة، قائمة على التعاون المباشر واحترام سيادة الدولتين، بعيدًا عن الصيغ التقليدية التي حكمت العلاقة سابقًا. كما حملت الزيارة رسائل تتجاوز بعدها البروتوكولي، خصوصًا مع الحديث عن تحقيق تقدم في عدد من الملفات المشتركة، إلى جانب التوجه نحو خطوات عملية لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، وفتح قنوات تنسيق أكثر انتظامًا بين المؤسستين الرسميتين في دمشق وبيروت. ويأتي ذلك بالتوازي مع تحركات مرتبطة بملفات حساسة، مثل ملف السجناء السوريين في لبنان، وقضايا الحدود والتنسيق الأمني، وهي ملفات لطالما شكّلت مصدر توتر بين البلدين.
في ظل الحراك السياسي المتسارع بين دمشق وبيروت، تبرز الزيارات الرسمية المتبادلة كمؤشر على محاولة البلدين الانتقال من مرحلة إعادة التواصل السياسي إلى مرحلة أكثر عملية، ترتبط بإدارة الملفات المشتركة وبناء مسار تعاون جديد. فبعد سنوات طغت عليها القطيعة السياسية والتوترات المرتبطة بتداعيات الثورة السورية، تبدو العلاقة اليوم أمام اختبار مختلف، يقوم على إعادة تفعيل القنوات الرسمية ومناقشة القضايا الاقتصادية والخدمية والأمنية التي تؤثر بشكل مباشر على الطرفين.
في هذا السياق، ترى الكاتبة السياسية عالية منصور، في حديث إلى عنب بلدي، أن الزيارة الأولى التي أجراها رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إلى دمشق قبل نحو عام، جاءت في إطار إعادة فتح قنوات التواصل الرسمية بين سوريا ولبنان، بعد سنوات من التعقيدات التي حكمت العلاقة خلال فترة الثورة السورية. وأوضحت منصور أن الزيارة الثانية، التي رافق فيها عدد من الوزراء رئيس الحكومة اللبنانية، حملت طابعًا عمليًا أكثر من كونها سياسية فقط، إذ ركزت على مناقشة مجموعة من الملفات العالقة بين البلدين، من بينها ملف الطاقة والمعابر الحدودية والصادرات اللبنانية، إلى جانب ملفات التعاون الاقتصادي والتنسيق المشترك في عدد من القطاعات.
رغم أن الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة اللبنانية إلى دمشق تناولت مجموعة واسعة من الملفات المشتركة بين البلدين، فإن طبيعة الوفد المرافق عكست، بحسب مراقبين، الأولويات التي ركزت عليها الزيارة في هذه المرحلة. فالحضور الوزاري بدا أقرب إلى الطابع الاقتصادي والخدمي، في وقت بقيت فيه الملفات الأمنية حاضرة في الخلفية، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن ضبط الحدود والتحديات الأمنية المشتركة بين البلدين.
في هذا السياق، ترى الكاتبة عالية منصور، أن غياب مسؤولين أمنيين ووزيري الدفاع والداخلية عن الوفد اللبناني، إلى جانب غياب وزيرة الشؤون الاجتماعية، يوضح أن الزيارة ركزت بصورة أساسية على بحث سبل التعاون الاقتصادي بين دمشق وبيروت، رغم التطرق إلى بعض القضايا الأمنية خلال الاجتماعات. وأشارت منصور إلى أن دمشق، إلى جانب اهتمامها بإقامة علاقة جيدة مع لبنان، وتعزيز التعاون بين الدولتين، تولي أهمية كبيرة لملف الأمن وضبط الحدود، خاصة في ظل التطورات الأخيرة المرتبطة بالكشف عن خلايا مرتبطة بـ"حزب الله" داخل سوريا، والتي قالت السلطات السورية إنها كانت تخطط لتنفيذ عمليات واغتيالات داخل البلاد.
رغم المؤشرات الإيجابية التي ظهرت في مسار العلاقات السورية-اللبنانية خلال الفترة الأخيرة، ترى الكاتبة السياسية عالية منصور، أن العلاقة بين البلدين لم تصل بعد إلى المستوى الذي يمكن وصفه بالعلاقة الطبيعية أو المستقرة بشكل كامل. وأشارت منصور، في حديثها لعنب بلدي، إلى أن الرئيس الشرع أبدى خلال الفترة الماضية مواقف إيجابية تجاه لبنان، وتحدث أكثر من مرة عن أهمية التعاون بين البلدين بما يخدم مصالحهما المشتركة ويحترم سيادة كل دولة، إلا أن ذلك، بحسب تقديرها، لم ينعكس حتى الآن في بناء علاقة متكاملة وواضحة بين الطرفين على المستوى السياسي.
ولفتت منصور إلى أن العلاقة لا تزال محكومة بإرث ثقيل من الماضي، سواء على مستوى التدخل السوري الطويل في الشأن اللبناني خلال فترة حكم نظام الأسد، أو على مستوى مشاركة أطراف لبنانية في القتال إلى جانب النظام السابق ضد السوريين خلال سنوات الحرب، ما جعل الذاكرة السياسية والاجتماعية مثقلة على جانبي الحدود. وترى منصور أن المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة مختلفة تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون، إلا أن المسار لا يزال، وفق وصفها، بعيدًا عن الوصول إلى الصيغة التي ينبغي أن تكون عليها العلاقة بين البلدين بعد كل التحولات التي شهدتها المنطقة.
يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني إبراهيم ريحان، أن العلاقات السورية-اللبنانية دخلت بالفعل مرحلة جديدة، تختلف عن الأنماط السابقة التي حكمتها الاعتبارات الأمنية أو التدخلات السياسية المباشرة، معتبرًا أن العلاقة اليوم "وُضعت على السكة الصحيحة"، ويجري العمل عليها بصورة يومية من أجل تحويلها إلى علاقة أكثر استقرارًا وتنظيمًا. وأشار ريحان، في حديث لعنب بلدي، إلى أن ما يميز المرحلة الحالية هو وجود توجه لدى الجانبين للانتقال من العلاقات الظرفية أو الشخصية إلى علاقات قائمة على المؤسسات والتنسيق الرسمي المنظم، سواء على مستوى الرئاسات أو الحكومات أو الوزارات والأجهزة المعنية في البلدين.
وبحسب هذا الطرح، فإن الحديث لم يعد يقتصر على إعادة التواصل السياسي فقط، بل بات يرتبط بمحاولة بناء إطار دائم للتعاون والتنسيق في مختلف الملفات المشتركة. وأضاف أن البلدين يسعيان إلى الوصول تدريجيًا إلى صيغة "تكامل" في عدد من القضايا، خصوصًا تلك المرتبطة بالاقتصاد والتجارة وحركة المعابر والطاقة والتنسيق الأمني، في ظل إدراك متبادل لحجم الترابط الجغرافي والسياسي بين سوريا ولبنان، وصعوبة عزل مصالح الطرفين عن بعضهما. ويرى أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطًا بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية الحالية إلى خطوات عملية طويلة الأمد، تضمن استمرارية التعاون بعيدًا عن التقلبات الإقليمية أو الحسابات الداخلية الضيقة.
يرى الكاتب إبراهيم ريحان أن الزيارات المتبادلة بين دمشق وبيروت يمكن أن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين، تقوم على تفاهمات مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقات السورية-اللبنانية خلال العقود الماضية. وأشار إلى أن الاتفاقات السابقة التي أُبرمت خلال مرحلتي حكم الأسد كانت غير متوازنة، إذ اتسمت بوجود سطوة سياسية من جانب النظام السوري، ولم تراعِ بشكل كافٍ خصوصية العلاقة بين الدولتين أو مبدأ التكافؤ في المصالح.
وبحسب طرحه، فإن المرحلة الحالية تفتح المجال أمام بناء تفاهمات جديدة يمكن أن تؤسس لحالة من التكامل الاقتصادي بين سوريا ولبنان، بما يتيح لكل طرف الاستفادة من نقاط القوة لدى الطرف الآخر. وفي المقابل، لفت ريحان إلى أن هذا المسار لا يزال يواجه مجموعة من التحديات السياسية والأمنية، من أبرزها وجود شخصيات وعناصر مرتبطة بالنظام السابق داخل لبنان، إلى جانب ملف "حزب الله"، خصوصًا في المناطق الحدودية بين البلدين. ويعتبر أن معالجة هذه الملفات تمثل شرطًا أساسيًا لبناء علاقة مستقرة بين دمشق وبيروت، مشيرًا إلى أن الدور الذي لعبه "حزب الله" خلال سنوات الحرب السورية ترك آثارًا سلبية على العلاقة بين جزء من الشارع السوري والدولة اللبنانية، ما يجعل أي مسار جديد للتعاون بحاجة أيضًا إلى معالجة التراكمات السياسية والأمنية التي خلّفتها المرحلة السابقة.
اقتصاد
سياسة
سوريا محلي
سياسة