تسعيرة القمح الجديدة في الرقة تُشعل غضب المزارعين وتهدد سبل عيشهم


هذا الخبر بعنوان "“لم يعد القمح يطعم أهله”.. تسعيرة القمح تشعل احتجاجات مزارعي الرقة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقف عابد العبد وسط أرضه في مزرعة كبش، شمالي الرقة، متأملاً سنابل القمح التي قاربت على الحصاد. لكن حديثه هذه المرة لا يدور حول وفرة الموسم أو جودة المحصول، بل عن الخسارة المحققة التي تنتظره مع نهاية العام الزراعي. يوضح الرجل، الذي أمضى سنوات طويلة في زراعة القمح، أن الأرض لم تعد تمنح أصحابها الطمأنينة ذاتها. فمع الارتفاع المتواصل في أسعار الأسمدة والبذار والمحروقات، يشعر المزارعون بأن كل موسم جديد يدفعهم خطوة إضافية نحو التخلي عن مهنة الزراعة.
في مدينة الرقة، شهد اليوم الأحد احتجاجات لعشرات المزارعين والأهالي، رفضاً لتسعيرة القمح المحددة بـ46 ألف ليرة سورية للطن الواحد من العملة الجديدة، وهو ما يعادل نحو 340 دولاراً. ويرى المحتجون أن هذا السعر لا يغطي حتى تكاليف الإنتاج الأساسية. بالنسبة لكثير من المزارعين في الجزيرة السورية، لا ترتبط القضية بمحصول زراعي فحسب، بل بمصدر العيش الوحيد تقريباً في منطقة تعتمد غالبية عائلاتها على الزراعة بشكل مباشر أو غير مباشر.
يشرح عابد العبد، في حديثه لـ"سوريا 24"، تفاصيل الخسارة بلغة الأرقام التي بات يحفظها المزارعون جيداً. يقول إن "تكلفة إنتاج الدونم الواحد تجاوزت 110 دولارات، بينما لا يتجاوز إنتاجه، في أفضل الحالات، 400 كيلوغرام". ويضيف بصوت هادئ يخفي الكثير من الإرهاق: "مع تكاليف الحصاد والنقل تصبح الخسارة حتمية… نحن نبيع القمح بأقل من تكلفته".
في القرى المحيطة بالرقة، حيث تمتد الحقول على مسافات طويلة، تغيرت أحاديث المزارعين خلال السنوات الأخيرة. فبدلاً من النقاش حول الأمطار والمواسم، بات الحديث يدور حول أسعار السماد والمازوت والديون المتراكمة. في قرية رويان، يتحدث المزارع ياسر السعود عن موسم يصفه بأنه "الأصعب منذ سنوات". ويوضح أن أسعار مستلزمات الزراعة ارتفعت بشكل غير مسبوق مقارنة بالعام الماضي، مشيراً إلى أن طن السماد كان يباع بنحو 450 دولاراً، بينما وصل هذا العام إلى نحو 800 دولار. أما المازوت، الذي كان مدعوماً في سنوات سابقة، فقد تجاوز سعره اليوم 12 ألف ليرة سورية، ما جعل تشغيل المضخات والآليات الزراعية عبئاً إضافياً على الفلاحين.
يقول السعود: "بهذه التكاليف وهذه التسعيرة لا يمكن الاستمرار"، قبل أن يضيف أن الكثير من المزارعين باتوا يفكرون جدياً في ترك زراعة القمح، رغم ارتباطهم الطويل بالأرض.
هذا التراجع بدأ يظهر بوضوح في المساحات المزروعة. يؤكد رئيس الجمعية الفلاحية في كبش، عبود الخلف، أن الأراضي المزروعة بالقمح هذا العام لم تتجاوز 30% من المساحات المستهدفة ضمن الزراعات الشتوية، بعدما كانت النسبة المفترضة تصل إلى نحو 75%. ويرى الخلف أن ما يحدث لا يعكس أزمة موسمية مؤقتة، بل عزوفاً متزايداً عن زراعة محصول كان يعرف لعقود بأنه "ذهب الجزيرة السورية". ويحذر من أن استمرار الخسائر قد يؤدي تدريجياً إلى تقلص المساحات المزروعة خلال السنوات المقبلة، وربما اختفاء بعض المحاصيل كما حدث سابقاً مع القطن والشمندر السكري.
في الرقة، حيث تعتمد غالبية العائلات على الزراعة كمصدر دخل أساسي، يخشى كثيرون أن تمتد الأزمة إلى ما هو أبعد من الحقول. فالتراجع الزراعي لا يصيب الفلاحين وحدهم، بل ينعكس على الأسواق والعمال والنقل وحياة القرى بأكملها. ويؤكد مزارعون أن أكثر من 85% من سكان المنطقة يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على القطاع الزراعي، ما يجعل أي خسارة في هذا القطاع تهديداً واسع النطاق للاستقرار المعيشي.
وقال أحد المحتجين إن "الخوف اليوم لم يعد من خسارة موسم فقط، بل من خسارة القدرة على البقاء في هذه الأرض". وبينما تجمع المحتجون في الرقة للمطالبة بإعادة النظر في تسعيرة القمح، بدا واضحاً أن الكثيرين منهم لم يكونوا يدافعون عن محصول زراعي فحسب، بل عن نمط حياة كامل تشكلت حوله مدن وقرى الجزيرة السورية لعقود طويلة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي