سوريا في مرمى "FIMI": حرب التلاعب المعلوماتي والتدخل الأجنبي تستهدف استقرارها


هذا الخبر بعنوان "سوريا وحرب “التلاعب المعلوماتي والتدخل الأجنبي” (FIMI)" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد إعلامي متطور ومتقبل للنقد، تبرز تحديات جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا، حيث تواجه سوريا محتوى إعلاميًا يُبنى ويُدار من خارج أراضيها. يبدو أن سوريين يديرونه ظاهريًا، ويعتمد على "غرف الصدى" وتضخيم الانحيازات، ما يكشف عن حرب سرديات وتفكك معلوماتي. يثير هذا الوضع خشية تحول جهات إعلامية حكومية إلى طرف في هذه الحرب.
تخلق عمليات التضخيم هذه وهمًا لدى البعض بأن رواياتهم تحظى بقبول وانتشار واسع بسبب صحتها المطلقة، غير مدركين أن أدوات خفية تدير هذا الوهم، ويصعب عليهم أحيانًا تفسيرها. يبدو أن سوريا غارقة في حرب "FIMI" القادمة من الخارج، والتي تتجلى في انتشار واسع لمواقع وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، تغذيها توجهات سياسية متناقضة.
ليست سوريا وحدها عرضة لهذا التهديد، لكنها تتميز بمساحة مظلمة يستغل فيها المتلاعبون هشاشة الوضع الداخلي، وضعف البيئة التنظيمية، وغياب جهاز محدد لمواجهة الحرب السيبرانية والمعلومات المضللة. وقد أشارت التقارير الدولية الصادرة خلال عامي 2025 و2026 إلى تصاعد القلق من دور الإعلام العابر للحدود، خاصة المنصات الرقمية وشبكات التأثير المعلوماتي، في زعزعة استقرار الدول والمجتمعات. لا يقتصر الأمر على "الدعاية التقليدية"، بل يمتد إلى "الحرب الهجينة" التي تستهدف الأمن القومي والاستقرار المجتمعي.
مصطلح "FIMI" (Foreign Information Manipulation and Interference)، ويعني "التلاعب المعلوماتي والتدخل الأجنبي"، تبناه الاتحاد الأوروبي لوصف عمليات التأثير المنظمة التي تقوم بها دول أو جهات خارجية بهدف التأثير على الرأي العام أو الاستقرار السياسي أو القرارات داخل دولة أخرى. وقد جرى تبنيه لأن مصطلحات مثل "الأخبار الكاذبة" (Fake News) و"الدعاية" (Propaganda) لم تعد كافية لوصف النموذج الهجين للحروب الرقمية، التي تعتمد على شبكات إعلامية، وحسابات منسقة، وخوارزميات، ومؤثرين، وذكاء اصطناعي، وحملات نفسية، وتسريب أو تحريف المعلومات، وكلها تعمل بشكل متكامل للتأثير على المجتمع المستهدف.
ورقة بحثية بعنوان: "تحليل المقاربات متعددة التخصصات لمواجهة عمليات التأثير الرقمي واسعة النطاق"، نشرتها منصة "arXiv" المدعومة من جامعة "Cornell" الأمريكية، كشفت عن استخدام أدوات التسويق الرقمي وتحسين محركات البحث، والإعلانات الموجهة، وأنظمة التوصية، لأغراض التضليل والتأثير السياسي. وحذرت الورقة من "مزارع البوتات"، وتقنيات الاستهداف الدقيق، والتلاعب بخوارزميات البحث.
كما أشارت إلى تطور مفهوم "الجريمة كخدمة" (CaaS) من حوادث إجرامية معزولة إلى طيف واسع من الأنشطة غير المشروعة، يشمل التلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي، وبيع أدوات التضليل الإعلامي، واستغلال جهات لتنفيذ عمليات واسعة النطاق للتلاعب بالرأي العام، واستغلال انحيازات المستخدمين لتضخيم السرديات المستقطِبة.
تقرير وحدة "الاتصال الاستراتيجي والاستشراف" في الاتحاد الأوروبي (SG.START) لعام 2025، ذكر أن تحقيقات "جهاز العمل الخارجي الأوروبي" (EEAS) كشفت عن وقوع أكثر من 500 حادثة من حوادث "FIMI" خلال عام 2024، باستخدام ما لا يقل عن 25 منصة مختلفة، و38 ألف حساب، في استهداف 322 منظمة عبر 90 دولة مختلفة.
بتحليل نشاط "FIMI"، يتبين أن سوريا من الطبيعي أن تكون جزءًا أو طرفًا مستهدفًا فيه، حيث يمتد هذا النشاط إلى:
يركز الاتحاد الأوروبي على ثلاثة عناصر أساسية لتعريف "FIMI": وجود جهة خارجية أو ارتباط خارجي، نية استراتيجية للتأثير أو الإضرار، وتنسيق أو تنظيم ممنهج. لذلك، يعتبر "FIMI" أقرب إلى عمليات تأثير "جيوسياسية" عبر المجال المعلوماتي. ويصنفه حلف شمال الأطلسي (NATO) ضمن "التهديدات الهجينة" والحرب المعرفية. ويعدد باحثون أمثلة شائعة مرتبطة بالمفهوم، منها حملات التأثير الروسية في الانتخابات الغربية، وحملات التأثير الصينية على المنصات الدولية، واستخدام وسائل التواصل مثل "إكس" و"تيك توك" و"فيسبوك" و"تلجرام" ضمن حملات تعبئة واستقطاب عابرة للحدود، كشكل جديد من الحرب النفسية والهندسة الاجتماعية الرقمية.
يركز باحثون على أدوات مواجهة "FIMI"، مع التحذير من خطر فرض رقابة صارمة لتبرير التضييق على الإعلام أو المعارضين تحت ذريعة "حماية الاستقرار"، وهي إشكالية تثير الانتقاد من قبل المدافعين عن الحريات. ويدعو الباحثون إلى تعزيز تعاون جهات متعددة منها: الأمن السيبراني، أجهزة إنفاذ القانون، علماء النفس، المحللون الدلاليون، المشرعون، ووسائل الإعلام. كما يدعون إلى التحقق المشفر من المحتوى والذكاء الاصطناعي لكشف التضليل و"البلوك تشين" للتتبع، وعدم إهمال دور الخبراء البشريين.
تعيش سوريا فجوة رقمية هائلة بحسب تقرير "DataReportal"، ما يجعلها في حالة ضعف تكنولوجي وسيبراني، وقد تكون هدفًا لأطراف خارجية، منها على سبيل المثال الوحدة "8200" الإسرائيلية، إحدى أكبر وحدات الاستخبارات التقنية والإلكترونية في العالم. وتشير الدراسات إلى أن من مهمات "8200" العمليات النفسية والتأثير المعلوماتي، ومراقبة الفضاء الإلكتروني العربي، وتحليل اتجاهات الرأي العام، ومتابعة واستثمار المنصات الاجتماعية والإعلام الرقمي، وهو ما يعطي مؤشرات لتحكم "التلاعب المعلوماتي والتدخل الأجنبي" (FIMI) في كثير من التفاصيل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة