مخيم السيدة زينب: صمود الذاكرة الفلسطينية وتحديات الحياة في ريف دمشق


هذا الخبر بعنوان "مخيم السيدة زينب للاجئين الفلسطينيين" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد مخيم السيدة زينب، الواقع جنوب شرق العاصمة السورية دمشق على بعد نحو 15 كيلومتراً، وتابع إدارياً لمحافظة ريف دمشق، واحداً من أبرز التجمعات الفلسطينية في سوريا. على الرغم من صغر مساحته الجغرافية، يختلط فيه تاريخ اللجوء الفلسطيني الأول مع واقع اجتماعي واقتصادي صعب فرضته سنوات الحرب والأزمات المتتالية.
يتميز المخيم بموقعه المجاور لمنطقة السيدة زينب الشهيرة التي تضم المقام المعروف، حيث لا يبعد عنه سوى نحو 300 متر. كما تحيط به مناطق الذيابية وببيلا وحجيرة، بالإضافة إلى تجمعات فلسطينية في حارة غربة والبحدلية، مما منحه أهمية اجتماعية ودينية، إلى جانب ارتباطه المباشر بمدينة دمشق.
تأسس مخيم السيدة زينب بشكل غير رسمي عام 1948، إثر تهجير الفلسطينيين من قراهم ومدنهم خلال النكبة. توسع نشاطه وحظي باعتراف رسمي بعد عام 1967، مع وصول موجة جديدة من النازحين الفلسطينيين إثر النكسة. ينحدر معظم سكان المخيم من قرى ومدن فلسطينية في الجليل الأعلى وطبريا ولوبية، ولا تزال أسماء هذه القرى والبلدات حاضرة في ذاكرة السكان وفي تسمية بعض الحارات والأحياء، في محاولة للحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية داخل النسيج العمراني للمخيم.
تبلغ المساحة التقريبية للمخيم الأصلي نحو 0.02 كيلومتر مربع، إلا أن التوسع العمراني جعله يتداخل مع المناطق المحيطة به. يتكون المخيم من أزقة وحارات ضيقة متلاصقة، من أبرزها حارة الوطنية، والمخيم القديم، وحارة الشمالنة، وحارة الدوارة. تنتشر داخله معالم تحمل رمزية وطنية، مثل ساحة قبة الصخرة، وساحة القدس، وساحة خريطة فلسطين، في مشهد يعكس تمسك السكان بهويتهم الفلسطينية رغم مرور عقود على اللجوء. يقدَّر عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في المخيم بين 25 و30 ألف نسمة، وتشكل فئة الأطفال والشباب النسبة الأكبر من السكان، ما يجعل المخيم مجتمعاً شاباً يعاني في الوقت نفسه من تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة.
يعاني سكان المخيم من مشكلات مستمرة في الخدمات الأساسية، خاصة الكهرباء والمياه والصرف الصحي. وعلى غرار معظم مناطق ريف دمشق، يخضع المخيم لتقنين كهربائي طويل، رغم وجود تحسن نسبي خلال الفترة الأخيرة. أما المياه، فيعتمد الأهالي على الآبار الارتوازية وشبكة الدولة، إضافة إلى شراء المياه من الصهاريج، بينما يضطر كثير من السكان لشراء مياه الشرب بشكل يومي. وفي ملف الصرف الصحي، ما تزال الشبكات القديمة تشكل عبئاً على السكان، حيث شهد شتاء عام 2026 أوضاعاً وُصفت بالمأساوية بعد دخول مياه الصرف الصحي إلى المنازل، وسط مطالبات شعبية متكررة باستبدال الخطوط المتهالكة.
يضم المخيم عدداً من مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، التي تعمل بنظام الفترتين الصباحية والمسائية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب، ومن بينها مدارس علما وبيت جبرين ودلاتا واليرموك للبنات، إضافة إلى مدرسة النقيب التابعة للدولة السورية. عانى القطاع التعليمي خلال سنوات الأزمة السورية من تحديات عديدة، أبرزها الاكتظاظ داخل الصفوف، ونقص الوسائل التعليمية، إضافة إلى المخاطر الأمنية الناتجة عن القصف والاشتباكات القريبة، حيث سقط عدد من الأطفال بين الضحايا خلال سنوات الحرب.
تدير “الأونروا” مستوصفاً طبياً يقدم الخدمات الصحية الأولية ورعاية الأمومة والطفولة واللقاحات، إلا أن المخيم يفتقر إلى مستشفى كبير ضمن حدوده الجغرافية. يعتمد السكان على مستشفى الكوثر الأهلي، المعروف سابقاً باسم مشفى الإمام الصدر، إضافة إلى المستشفيات الحكومية والخاصة في دمشق. كما توجد داخل المخيم عيادات خاصة وصيدليات تقدم خدمات طبية أساسية للسكان.
بسبب ضيق الأزقة داخل المخيم، يعتمد السكان على المشي أو استخدام الدراجات النارية ووسائل النقل الصغيرة مثل “التكتوك”. أما التنقل إلى دمشق، فيتم عبر خطوط “السرافيس” التي تربط السيدة زينب بمركز العاصمة، وخاصة منطقتي البرامكة والفحامة.
يعاني جزء كبير من سكان المخيم من الفقر وضعف الموارد المالية، حيث يعتمد كثير من الأهالي على الأعمال اليومية والمساعدات الإنسانية التي تقدمها وكالة الغوث. يؤكد سكان أن البطالة والأوضاع الاقتصادية الصعبة ساهمت في تصاعد بعض المشكلات الاجتماعية، مثل تفشي المخدرات بين فئات من الشباب، إضافة إلى الاكتظاظ السكاني وغياب المساحات العامة والملاعب.
تأثر مخيم السيدة زينب بشكل كبير بالأزمة السورية، إذ شهد حملات اعتقال ونزوح جماعي، كما فقد كثير من العائلات أبناءها بين قتيل ومفقود. تعرضت أجزاء من البنية التحتية والمنازل لأضرار متفاوتة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت عودة تدريجية.
يتميز مخيم السيدة زينب بتركيبة اجتماعية فلسطينية متنوعة حافظت على الروابط العائلية والعشائرية الممتدة منذ النكبة الفلسطينية، حيث تنتشر داخله عشائر فلسطينية معروفة مثل عشيرة الشمالنة الفلسطينية، وعشيرة العقيدات الدوارة، وعشيرة التلاوية، وعشيرة الزنغرية، وعشيرة لهيب، وعشيرة المواسى. أسهم هذا التنوع العشائري والعائلي في تعزيز شبكات التضامن الاجتماعي داخل المخيم، سواء في الحياة اليومية أو في أوقات الأزمات. ويقول الناشط الإعلامي عدي فرحان من سكان المخيم إن هذه الروابط الاجتماعية والعائلية كانت دائماً عنصر قوة أساسي في صمود المجتمع وتماسكه.
يضم المخيم معالم دينية واجتماعية بارزة، مثل جامع سيدي مدرك الفزاري والمعهد الشرعي، إضافة إلى مقبرة تقع قرب مدارس الأونروا، وتشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان المخيم. برز من أبناء المخيم عدد من الشعراء والكتاب والناشطين الثقافيين والإعلاميين الذين ساهموا في توثيق الحياة الفلسطينية داخل سوريا، من بينهم الشعراء والكتاب ماهر محمد، وفادي عيسى، ومحمود فرحان، ومحمد إبراهيم لافي، والقاص حسان علي، والشاعر حسن فلاح. وفي المجال الإعلامي، ظهر عدد من الناشطين والإعلاميين من أبناء المخيم، من بينهم وردان خالد، وعدي فرحان، ومحمود علي، ولين محمد، إضافة إلى المذيع نعيم إبراهيم والمذيعة لارا محمد والأستاذ حسام حسن. أما في المجال المسرحي والفني، فيبرز اسم الأستاذ ديب لافي، إلى جانب عدد من الخطاطين والفنانين مثل خالد عسود، وعامر تيم، وإسراء محمد، ونسرين درزي. كما عرف المخيم بحضوره الموسيقي والإنشادي، من خلال عدد من العازفين والمنشدين مثل حسين فياض، وزكريا فياض، ومحمد حميد، ومعاذ حميد، إضافة إلى فرقة “ليالي الصفا” للإنشاد الديني.
رغم الظروف الصعبة، لا يزال المخيم يحتفظ بحياة اجتماعية وثقافية نشطة، إذ تنظم جمعيات ومراكز أهلية فعاليات للحفاظ على التراث الفلسطيني، من بينها نشاطات الدبكة والتطريز وإحياء المناسبات الوطنية. ومن أبرز الجهات الناشطة داخل المخيم جمعية عائدون للتنمية والتمكين، ومؤسسة فيض المعرفة، وهيئة فلسطين الخيرية، وجمعية القدس الخيرية، إضافة إلى مبادرات شبابية تطوعية تهتم بالتعليم والنظافة والرياضة.
يؤكد سكان المخيم أن السيدة زينب لم يكن مجرد مكان للجوء، بل مساحة اجتماعية وثقافية حافظت على الذاكرة الفلسطينية لعقود طويلة، في مواجهة التهجير والحرب والتحولات السياسية. وبين الأزقة الضيقة وأصوات الباعة وحكايات العائلات، يواصل المخيم حمل ذاكرة فلسطين، بينما يحاول سكانه بناء حياة جديدة وسط واقع لا يخلو من التحديات.
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي