“الرواية المستحيلة” لغادة السمان: صراع الهوية والحرية في فسيفساء دمشقية


هذا الخبر بعنوان "“الرواية المستحيلة”.. عن السلطة والحرية والهوية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تغوص رواية “الرواية المستحيلة- فسيفساء دمشقية” للكاتبة السورية غادة السمان في أعماق سيرة بطلتها “زين الخيال”، التي تنشأ في دمشق تحت وطأة بيئة عائلية يهيمن عليها حضور الأب كرمز للسلطة الصارمة، خاصة بعد غياب الأم المبكر. هذا الواقع يضع “زين” منذ طفولتها في مواجهة مباشرة مع منظومة معقدة من القيود الاجتماعية والعائلية.
تتوزع أحداث الرواية على مراحل مختلفة من حياة البطلة، حيث تتشكل هويتها تدريجيًا وسط صراع مستمر بين رغباتها الفردية وما يفرضه المجتمع من أدوار محددة للمرأة، لا سيما فيما يتعلق بحدود حريتها. ومع تنقلها بين الأمكنة، تتراكم تجاربها العاطفية والإنسانية. يبرز في النص عدد من الشخصيات المؤثرة في مسار “زين”، أبرزها سلطة الأب داخل البيت، حيث تُقدم هذه الشخصيات كامتدادات لبنية اجتماعية أوسع تتحكم في خياراتها وتُعيد تشكيل وعيها، فشخصية “أمجد الخيال” على سبيل المثال، تجسد سلطة العائلة والرقابة.
تتجاوز دمشق في الرواية كونها مجرد مكان للأحداث، لتتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل وعي “زين”. تظهر المدينة ككيان يُعيد إنتاج السلطة الاجتماعية ضمن تفاصيل الحياة اليومية، من البيت إلى الشارع والعلاقات، لتصبح بنية ضاغطة تعكس القيود العائلية والمجتمعية. هذا الدور يسهم في تعميق صراع “زين” بين رغبتها في التحرر وما يفرضه الواقع من أعراف صارمة. فدمشق تمارس ضغطها عبر العائلة والعادات واللغة، وتتحول إلى مراقب دائم يُعيد صياغة السلوك الفردي ويحد من إمكانيات التمرد. ومع ذلك، تواجه “زين” هذا النظام، مما يضعها في صراع مستمر بين الانتماء والرفض. ومع تنقل “زين” بين مراحل حياتها، تبقى المدينة حاضرة كذاكرة ثقيلة ترافقها، وتُعيد تذكيرها بجذور التشكل الأول للهوية والتمرد.
تعتمد الرواية على التنقل بين الذاكرة والطفولة والمراحل اللاحقة من حياة “زين”، مما يمنح النص طابعًا فسيفسائيًا يعكس تشظي التجربة الإنسانية نفسها، ويجعل من دمشق مكانًا يُشكل الوعي ويحتفظ بطبقات من القمع والحنين والتحول. بهذا البناء، تُقدم الرواية سيرة أنثوية تتقاطع فيها الذات مع المكان والسلطة والعلاقات، ضمن محاولة لقراءة تشكل الهوية في مدينة محكومة بتوازنات اجتماعية صارمة.
ولدت غادة أحمد السمان عام 1942 في دمشق لأسرة دمشقية، وتُعد من أبرز الأسماء في السرد العربي الحديث. قدمت منذ بداياتها في ستينيات القرن الماضي مشروعًا أدبيًا اتسم بالتمرد على القوالب التقليدية للكتابة، متجاوزًا حصر الأدب في قضايا المرأة إلى قطاعات أوسع تتقاطع فيها الذات مع السياسة والمدينة والاغتراب.
بدأت حضورها الأدبي مع مجموعتها القصصية الأولى “عيناك قدري” عام 1962، لتتبعها لاحقًا مجموعة من الأعمال القصصية، من بينها “لا بحر في بيروت” و”ليل الغرباء” و”رحيل المرافئ” و”زمن الحب الآخر” و”القمر المربع”، تناولت فيها قضايا الاغتراب والعلاقات الإنسانية المضطربة، والمدينة كفضاء ضاغط على الفرد.
وفي موازاة ذلك، خاضت السمان تجربة الرواية عبر أعمال بارزة، من بينها “كوابيس بيروت” و”ليلة المليار” و”الرواية المستحيلة- فسيفساء دمشقية” و”سهرة تنكرية للموتى”.
ثقافة
سوريا محلي
اقتصاد
ثقافة