تسعيرة القمح الجديدة في سوريا: جدل حول الكلفة وتداعيات على مستقبل الزراعة والأمن الغذائي


هذا الخبر بعنوان "من الدعم إلى التوازن المالي.. كيف قلبت تسعيرة القمح في سوريا معادلة الموسم الزراعي؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت تسعيرة القمح لموسم 2026 فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في سوريا، ليس فقط بسبب الرقم المعلن، بل لأنها عكست تحولاً أوسع في طريقة تعامل الدولة مع القطاع الزراعي والسلع الأساسية. ففي السادس عشر من أيار/مايو الجاري، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة القرار رقم 94، محدّدة سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى "مشّول" بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن، أي ما يعادل 4.6 مليون ليرة قديمة.
ووفقاً للحسابات المتداولة في الأوساط الاقتصادية والزراعية، يدور السعر فعلياً بين نحو 335 و407 دولارات للطن، تبعاً لمرجع الصرف المعتمد بين السوق الرسمي والموازي. هذا الفارق تحول سريعاً إلى نقطة خلاف واسعة حول ما إذا كانت التسعيرة الجديدة قادرة فعلاً على تغطية كلفة الإنتاج، في ظل اقتصاد يعيش على تقلبات العملة وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية بشكل مستمر.
وفي مقارنة مع الموسم الماضي، تبدو الفجوة أكثر وضوحاً. ففي عام 2025 بلغ سعر شراء القمح في مناطق الحكومة السورية نحو 320 دولاراً للطن، إضافة إلى مكافأة تشجيعية قُدرت بنحو 130 دولاراً، ليصل العائد الإجمالي إلى نحو 450 دولاراً للطن، مقابل نحو 340 دولاراً فقط هذا الموسم. يتقاضى الفلاح ثمن محصوله بالليرة السورية، بينما يُجبر في المقابل على شراء معظم مدخلات الإنتاج بأسعار "مدولرة"، ما يفسر مقولة "ننتج بالدولار ونبيع بالليرة".
على الورق، قد تبدو التسعيرة قريبة من الكلفة. لكن الأرقام المرتبطة بالموسم الزراعي ترسم صورة أكثر تعقيداً، فوزارة الزراعة حدّدت سعر مبيع بذار القمح بنحو 500 دولار للطن في موسم 2025-2026، بينما ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 30%، واستقر سعر لتر المازوت الزراعي عند نحو 0.88 دولار، مع ارتفاع واضح في كلف العمالة والنقل بعد التغييرات السعرية الأخيرة.
وبناءً على هذه المعطيات، تُقدَّر كلفة إنتاج طن القمح المروي بين 335 و380 دولاراً تقريباً، ما يعني أن هامش الربح يبقى محدوداً للغاية، خصوصاً في الأراضي المروية التي تحتاج إلى كلفة تشغيلية أعلى مرتبطة بالري والمحروقات والطاقة.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي يونس الكريم، في حديثه لـ"هاشتاغ"، إن المشكلة لا تتعلق فقط بالسعر المعلن، بل بالبنية الاقتصادية التي تتم داخلها عملية التسعير. فبحسب الكريم، فإن "الخلل البنيوي يبدأ من أن الفلاح يتقاضى ثمن محصوله بالليرة السورية، بينما يُجبر في المقابل على شراء معظم مدخلات الإنتاج بأسعار مدولرة ترتبط مباشرة بسعر الصرف في السوق الموازية". ويضيف أن هذا الواقع يخلق "انفصاماً بين التكلفة والعائد"، حيث تتآكل القيمة الفعلية لما يحصل عليه المزارع بمجرد استلام مستحقاته، خصوصاً مع ارتفاع التضخم وتقلبات سعر الصرف.
ويرى الكريم أن المشكلة تفاقمت أيضاً بسبب توقيت القرار، موضحاً أن الحكومة لم تعلن سعراً تأشيرياً قبل انطلاق الموسم الزراعي، بل جاء الإعلان بعد أن تكبد المزارعون الجزء الأكبر من الكلفة. ويقول إن "عملية التسعير لم تأخذ بعين الاعتبار توقيت القرار نفسه، إذ كان من المفترض تحديد سعر واضح قبل بداية الموسم لطمأنة الفلاحين وتحفيزهم على التوسع في زراعة القمح". كما يشير إلى غياب التنسيق بين الجهات المعنية باحتساب الكلفة الحقيقية للإنتاج، موضحاً أن تقديرات المزارعين كانت تتحدث عن سعر عادل يقارب 500 دولار للطن، مع احتمال ارتفاعه إلى نحو 600 دولار إذا أُخذت الزيادات الكبيرة في المحروقات والمدخلات الزراعية بعين الاعتبار.
في درعا ودير الزور والرقة، برزت اعتراضات ودعوات لتعديل التسعيرة أو إعادة المكافأة التشجيعية التي كانت منحت في موسم سابق، وخرجت دعوات لتنظيم وقفات احتجاجية اعتراضاً على ذلك. مزارعون تحدثوا لـ"هاشتاغ" عن موسم مكلف بدأ بأسعار مرتفعة للبذار والأسمدة والمحروقات، وانتهى بخسائر إضافية بسبب العواصف والبرد والآفات الزراعية.
ويقول يونس الكريم في هذا الصدد إن التسعيرة الحالية لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع في السياسة الاقتصادية الزراعية داخل سوريا. فبحسب قراءته، لم تعد الدولة تتعامل مع ملف القمح ضمن منطق دعم الإنتاج الزراعي كما كان سابقاً، خاصة بعد تبني خطاب "اقتصاد السوق الحر" والتراجع التدريجي عن سياسات الدعم التقليدية المرتبطة بالسلاسل الزراعية.
ويشير الكريم إلى تراجع الاهتمام بالبنية المرتبطة بالإنتاج الزراعي، سواء على مستوى الصوامع والمطاحن أو المؤسسات البحثية الزراعية مثل ICARDA، إضافة إلى إضعاف دور الثانويات الزراعية والجمعيات التعاونية والوحدات الإرشادية. ويرى أن هذا التوجه يرتبط بمحاولة تقليص الأعباء المالية المباشرة للدعم، وإعادة توزيع الموارد ضمن أولويات جديدة، بما في ذلك تخفيف استهلاك المحروقات المدعومة وتقليل الكلف المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
ويضيف أن القمح بات يُنظر إليه "كملف سياسي واقتصادي أكثر منه ملف أمن غذائي"، مشيراً إلى أن وجود بدائل استيراد محتملة، في ظل الحضور الروسي والعلاقات التجارية الخارجية، يجعل الحكومة أقل اندفاعاً نحو شراء المحصول المحلي بأسعار مرتفعة. كما يتحدث الكريم عما يسميه "التخزين عن طرف ثالث"، موضحاً أن انخفاض السعر الحكومي يدفع الفلاحين إلى بيع محاصيلهم لتجار ووسطاء مرتبطين بمراكز نفوذ بأسعار أعلى قليلاً من السعر الحكومي وأقل من السعر العالمي، قبل أن تعود الحكومة لاحقاً لشراء القمح عبر هذه الطبقة الوسيطة عند الحاجة.
وبحسب الكريم، فإن الأزمة لا تتعلق بالموسم الحالي فقط، بل بمستقبل الزراعة نفسها في سوريا. ويقول إن "الاستمرار في تسعير القمح عند حدود نقطة التعادل، أو أقل منها في بعض المناطق المروية، سيدفع كثيراً من المزارعين إلى إعادة النظر في جدوى الاستمرار بزراعة القمح خلال المواسم المقبلة". كما يحذر من أن تراجع الحافزية الزراعية قد يؤدي تدريجياً إلى تقليص المساحات المزروعة، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى الحفاظ على حد أدنى من الاكتفاء الذاتي الغذائي.
ويضيف أن المشكلة لا تتعلق فقط بالقمح، بل باتجاه اقتصادي أوسع يشهد تراجع أولوية القطاع الزراعي مقابل التركيز على قطاعات أخرى مثل السياحة والتطوير العقاري والاستثمارات الجديدة، رغم غياب البنية التحتية والقانونية الكافية لدعم هذا التحول.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة