تتجاوز أزمة القمح في سوريا، وفي العديد من الدول المشابهة، كونها مجرد خلاف حول سعر شراء محصول زراعي، لتتحول إلى معضلة مركبة تمسّ جوهر بنية الدولة ذاتها. إنها قضية تتعلق بالأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، وقدرة الدولة على حماية ريفها وإنتاجها المحلي في ظل ضغوط اقتصادية خانقة. لهذا، تبدو المسألة أعقد بكثير من النقاشات السطحية التي تختزلها في سؤال بسيط: هل ترفع الدولة السعر أم تخفضه؟
نحن هنا أمام واحدة من أكثر المعضلات السياسية الاقتصادية حساسية، لأنها تقع عند تقاطع ثلاثة مستويات شديدة التوتر:
- الأمن الغذائي للدولة.
- العدالة الاقتصادية للمزارع.
- القدرة المالية للحكومة.
المشكلة تكمن في أن كل طرف ينظر إلى الأزمة من زاويته الخاصة: فالدولة ترى العجز والعملة والميزانية، بينما يرى المزارع التعب والخسارة، ويرى الاقتصادي اختلال الحوافز والسوق. لكن القمح ليس مجرد سلعة عادية. ففي كثير من الدول، يشبه القمح مفهوم “السيادة الحيوية”، لأن الدولة التي تفقد قدرتها على إنتاج خبزها تصبح أكثر هشاشة سياسيًا واجتماعيًا، خاصة في لحظات الحروب والعقوبات والجفاف والاضطرابات العالمية. ولهذا، فإن التعامل معه بمنطق الربح التجاري المباشر يقود غالبًا إلى نتائج استراتيجية خطيرة على المدى البعيد.
المعضلة الأساسية هي أن سعر القمح العالمي قد يصبح أحيانًا أقل من تكلفة إنتاجه محليًا. فإذا رفعت الدولة سعر الشراء بشكل كبير، أرهقت الميزانية، وارتفعت كلفة الخبز، وتزايد الضغط التضخمي. وإذا خفضته، تراجع الحافز الزراعي، واتجه الفلاح نحو محاصيل أعلى ربحًا، ثم بدأت الدولة تخسر تدريجيًا قدرتها الذاتية على إنتاج غذائها الأساسي.
لهذا، لا تعالج الدول الزراعية الناجحة هذا الملف عبر “السعر” وحده، وإنما عبر منظومة متكاملة من السياسات الاقتصادية والزراعية والاستراتيجية، يمكن تلخيصها في سبع نقاط رئيسية:
- فصل دعم الفلاح عن سعر الشراء نفسه: تُعد هذه المقاربة من أكثرها توازنًا وواقعية. فبدل أن تتحمل الدولة وحدها عبء رفع سعر شراء القمح بصورة ضخمة، يمكن تخفيض تكلفة الإنتاج نفسها عبر دعم البذار، دعم السماد، دعم المحروقات الزراعية، دعم الري، الإعفاءات الضريبية، والتأمين الزراعي. عندها يصبح الفلاح قادرًا على تحقيق هامش استقرار وربحية دون أن تضطر الدولة إلى شراء القمح بأسعار مرهقة ماليًا. وكثير من الأزمات الزراعية العربية بدأت حين رُفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج، ثم تُرك الفلاح في مواجهة سوق عالمي شديد القسوة وغير متكافئ.
- اعتبار القمح قطاعًا سياديًا لا تجاريًا: بعض القطاعات ترتبط مباشرة باستقرار المجتمع وقدرة الدولة على الصمود، ولهذا لا يمكن إدارتها بعقلية الربح المحاسبي القصير فقط. مثل: الطاقة، المياه، الدواء، الجيش، والقمح. فقد تتحمل الدولة كلفة مالية أعلى اليوم، لكنها تحمي نفسها لاحقًا من المجاعة أو الارتهان أو الانهيار الاجتماعي. ولهذا تستمر دول كبرى مثل أمريكا والصين والهند وغيرها في دعم قطاعاتها الزراعية رغم الكلفة المرتفعة، لأن الأمن الغذائي جزء من مفهوم الأمن القومي نفسه.
- العقود الزراعية طويلة الأمد: الفلاح لا يستطيع أن يعيش على المغامرة السنوية. هو يحتاج إلى وضوح واستقرار قبل بدء الموسم: ما السعر الأدنى المضمون؟ ما حجم الشراء المتوقع؟ ما طبيعة الدعم؟ ما شروط التسليم؟ هذه السياسات تمنح المزارع درجة من الأمان النفسي والاقتصادي. أما التقلبات الحادة فتدفعه طبيعيًا نحو محاصيل أسرع عائدًا وأقل مخاطرة: كالكمون، واليانسون، والخضار، والأشجار، أو حتى ترك الأرض بالكامل.
- رفع الإنتاجية بدل الاكتفاء برفع السعر: أحيانًا لا تكون المشكلة في سعر القمح وحده، وإنما في ضعف إنتاجية الأرض نفسها. فعندما ينتج الهكتار نصف ما تنتجه أراضٍ مشابهة في دول أخرى بسبب: تقنيات ري متقادمة، بذار ضعيفة، فاقد مرتفع، غياب الإرشاد الزراعي، وضعف المكننة، فإن تكلفة الكيلو ترتفع تلقائيًا. لهذا يصبح الاستثمار في: الري الحديث، البذار المحسنة، التعاونيات الزراعية، التقنيات الحديثة، والمكننة، أكثر جدوى واستدامة من الحلول المالية المؤقتة.
- منع انهيار الريف: هذه من أخطر النقاط في الملف كله. حين يخسر الفلاح، لا تخسر الدولة محصولًا فقط، وإنما تبدأ سلسلة كاملة من التآكل الاجتماعي والاقتصادي: تفكك الريف، الهجرة الداخلية، البطالة، تمدد العشوائيات، تراجع الطبقات المنتجة، والاعتماد المتزايد على الاستيراد. وكثير من الأزمات الكبرى في المنطقة بدأت بصمت من الأطراف الزراعية قبل أن تظهر لاحقًا في قلب المدن والسياسة. ولهذا فإن ما جرى في سوريا بعد عام 2005، مع رفع الدعم عن المحروقات الزراعية، لم يكن مجرد تعديل اقتصادي تقني، وإنما لحظة اختلال عميق أصابت البنية الريفية الهشة أصلًا في مناطق مثل الجزيرة والرقة.
- أخطر الأوهام… الاستيراد الرخيص: بعض الحكومات تجد في الاستيراد حلًا مريحًا: لماذا نتحمل دعم القمح إذا كان شراؤه من الخارج أرخص؟ هذه الفكرة قد تبدو منطقية محاسبيًا، لكنها شديدة الخطورة استراتيجيًا. فالأسواق العالمية لا تتحرك وفق الأخلاق أو الاستقرار الدائم. وفي لحظات الأزمات: تُغلق الموانئ، ترتفع الأسعار، تُفرض العقوبات، تمنع الدول التصدير، وتتحول المواد الغذائية إلى أدوات ضغط سياسي. وعندها تكتشف الدولة أنها فقدت جزءًا من قدرتها على حماية نفسها. لهذا فإن الخسارة المحدودة في دعم الزراعة المحلية قد تكون أقل كلفة بكثير من الارتهان الكامل للأسواق الخارجية. والمفارقة أن كثيرًا من الدول التي تحولت لاحقًا إلى قوى صناعية ومالية كبرى لم تصل إلى ذلك عبر اقتلاع جذورها الزراعية، وإنما عبر بناء توازن عميق بين الصناعة والأرض. وقد أدرك توماس جيفرسون، خلال بدايات تشكل الولايات المتحدة، وبعد احتكاكه المباشر بأوروبا الصناعية، أن التحول الكامل نحو الاقتصاد الصناعي والخدماتي مع إهمال الزراعة يحمل مخاطر بعيدة المدى على توازن المجتمع واستقلاله. فالزراعة في نظره لم تكن مجرد نشاط اقتصادي، وإنما قاعدة أخلاقية واجتماعية تحفظ للدولة قدرتها على الاستقرار والصمود. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالاختيار بين الزراعة والصناعة، أو بين القمح والخدمات، وإنما بكيفية بناء اقتصاد متوازن لا يستهلك جذوره أثناء سعيه إلى التحديث.
- القيمة المضافة… حين يتحول تنوع القمح إلى فرصة استراتيجية: من النقاط التي كثيرًا ما تُغفل في النقاشات العامة أن القمح ليس نوعًا واحدًا اقتصاديًا أو صناعيًا. فالقمح الطري يرتبط غالبًا بصناعة الخبز والمعجنات، بينما تمتلك بعض أنواع القمح القاسي السوري — وخاصة صنف الحوراني المعروف تاريخيًا — قيمة مرتفعة في الأسواق العالمية المرتبطة بصناعة الباستا الفاخرة ومنتجات السيمولينا عالية الجودة. وهنا تظهر أهمية الانتقال من سياسة “التسعير الموحد الجامد” إلى سياسة إدارة استراتيجية لأنواع القمح وقيمته المضافة. فالدولة تستطيع شراء القمح من الفلاحين بأسعار عادلة تحفظ استدامة الزراعة، ثم تدير جزءًا من القمح القاسي عالي الجودة ضمن سياسة تصديرية مدروسة نحو الصناعات والأسواق الأعلى قيمة، بما يسمح بتعويض جزء من كلفة الدعم الزراعي دون الإضرار بالمخزون الاستراتيجي أو بحاجات الأمن الغذائي الداخلي. مثل هذه المقاربة تحتاج إلى توازن دقيق للغاية، لأن أي خلل قد يدفع المزارعين إلى التوسع المفرط في الأصناف التصديرية على حساب القمح الضروري للاستهلاك المحلي. ولهذا تصبح الحاجة ملحة إلى: إدارة واضحة للمخزون الاستراتيجي، تحديد نسب مدروسة بين أنواع القمح المزروعة، تطوير الصناعات الغذائية المرتبطة بالقمح القاسي، وبناء عقود مستقرة تمنح الفلاح والدولة معًا قدرًا أعلى من الاستدامة واليقين.
في المحصلة، فإن الدول الزراعية الذكية لا تنظر إلى القمح بوصفه مجرد محصول موسمي، وإنما باعتباره جزءًا من بنية السيادة والصمود والاستقرار. وحين يشعر الفلاح أن الدولة تتعامل معه كشريك في حماية هذه السيادة، لا كعبء مالي مؤقت، تبقى الأرض مزروعة، ويبقى الريف حيًا، وتحتفظ الدولة بأحد أهم عناصر قوتها العميقة. وفي النهاية، لا تكشف أزمة القمح طريقة إدارة محصول زراعي فحسب، وإنما تكشف شكل العلاقة بين الدولة وأرضها وإنسانها وإحساسها بالزمن. فالدول التي تنظر إلى الزراعة بعين المحاسب فقط، قد تربح موسمًا وتخسر قدرة شعب كامل على البقاء والإنتاج والصمود.
أما الدول التي تفهم معنى الأرض، فإنها تدرك أن سنبلة القمح ليست مجرد حبوب تُخزن في الصوامع، وإنما شبكة كاملة من الحياة: فلاح يبقى في قريته، وأسرة لا تضطر للهجرة، وريف يحتفظ بتوازنه، ودولة تملك جزءًا من قرارها حين تضطرب الأسواق وتشتعل الحروب. وربما ليست المصادفة وحدها أن تكون هذه الأرض، الممتدة في سوريا التاريخية والهلال الخصيب، من الأماكن التي عرفت أول سنبلة مزروعة وأول منجل في التاريخ الإنساني. فالعلاقة هنا لم تكن يومًا مجرد علاقة بمحصول زراعي، وإنما كانت جزءًا من تشكل إنسان الحضارة نفسه، حين تعلّم للمرة الأولى كيف يستقر، ويزرع، ويبني معنى البقاء فوق الأرض. ولهذا لم يكن القمح عبر التاريخ مجرد محصول… بقدر ما كان دائمًا اختبارًا خفيًا لعمق الرؤية السياسية نفسها: هل ترى الدولة الأرض بوصفها عبئًا ماليًا مؤقتًا، أم تراها الجذور التي تقف عليها؟ وحين تفقد الأمم صلتها بالأرض، لا تجوع البطون وحدها، وإنما يضطرب وعيها بذاتها، ويتآكل إحساسها بالاستقرار والمعنى والقدرة على البقاء. فالأرض ليست مجرد موردٍ يُستثمر، وإنما الجذر الذي تتماسك به الأمم حين تعصف بها الأزمات. وحين تضعف الجذور… يصبح السقوط مسألة وقت.
بقلم: أيمن قاسم الرفاعي - زمان الوصل