صحيفة الجماهير الحلبية: رحلة استعادة الصوت من المبنى العتيق إلى الفضاء الرقمي


هذا الخبر بعنوان "من مبنى قديم إلى الفضاء الرقمي… «الجماهير» الحلبية تحاول استعادة صوتها" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من قلب مبنى عتيق يقع في منطقة العبارة بمدينة حلب، تسعى صحيفة الجماهير، التي تُعدّ من أعرق الصحف المحلية في سوريا، جاهدة لاستعادة مكانتها ودورها الريادي. يأتي هذا المسعى بعد سنوات طوال من الحرب التي أثرت سلبًا على البلاد، والتراجع الملحوظ الذي طال قطاع الإعلام الورقي. داخل هذه الجدران التي تحمل آثار الزمن، يتكاتف جيل من الصحفيين الشباب مع نخبة من الأسماء المهنية المخضرمة، بهدف إحياء صحيفة لطالما كانت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية لأهالي حلب على مدى عقود، وشكّلت ركنًا أساسيًا في الذاكرة السياسية والاجتماعية والثقافية للمدينة.
يُشير جهاد جمّال، رئيس تحرير صحيفة الجماهير، التابعة لمؤسسة الوحدة، إلى أن الصحيفة بدأت تستعيد حضورها تدريجيًا عقب مرحلة التحرير. وقد تم ذلك من خلال إعادة تفعيل العمل الصحفي وتزويد غرفة الأخبار بكوادر جديدة. ويوضح جمّال أن فريق التحرير يضم حاليًا تسعة محررين وأربعة متعاقدين، بينما تعتمد التغطيات الميدانية على شبكة واسعة من المراسلين الذين يتم تكليفهم من قبل دائرة المراسلين التابعة للمؤسسة.
وفقًا لجمّال، تُقدم الصحيفة يوميًا ما يزيد عن مئة مادة صحفية متنوعة عبر منصاتها الرقمية وحساباتها الرسمية. تتضمن هذه المواد أخبارًا محلية، وتقارير معمقة، ومتابعات ميدانية دقيقة، وذلك في إطار سعيها لمواكبة الأحداث المتسارعة وتغطية شاملة للملفات الخدمية والاجتماعية والسياسية. كما تُعنى الصحيفة بنقل شكاوى السكان في حلب وريفها، وتمتد تغطيتها لتشمل إدلب وريفها.
على الرغم من الجهود المبذولة لتطوير العمل الصحفي، لا تزال مؤسسة الوحدة تواجه تحديات مالية جسيمة. يوضح جمّال أن إدارة التحرير تسعى جاهدة لاستقطاب كتّاب وصحفيين جدد بهدف إثراء المحتوى وتطوير الأداء المهني العام. إلا أن محدودية السيولة المالية والإمكانات المتاحة تُعيق القدرة على توسيع الكادر الصحفي أو توفير المستلزمات التقنية والمهنية الضرورية التي تتطلبها معايير الصحافة الحديثة.
وفي سياق تقييمه لوضع الحريات الإعلامية، يرى رئيس التحرير أن هامش الحرية المتاح حاليًا قد اتسع بشكل ملحوظ مقارنة بالمراحل السابقة. ويؤكد جمّال أن التدخل المباشر من قبل الجهات الرسمية أو المحافظة في شؤون الصحيفة قد تراجع كثيرًا عما كان عليه الوضع قبل مرحلة التحرير. لكنه في المقابل، ينتقد بشدة ما يصفه بـ«البيروقراطية الإدارية» التي لا تزال تُسيطر على العلاقة بين الصحفيين والمؤسسات الرسمية.
ويوضح جمّال أن حصر التصريحات الرسمية برؤساء المكاتب الإعلامية قد أدى إلى بطء وجمود في عملية الوصول إلى المعلومات. ويضيف أن «الروتين الإداري أصبح مرهقًا للعمل الإعلامي المحلي، الذي يتطلب بطبيعته السرعة والمرونة في نقل الخبر». ويدعو إلى ضرورة منح الصحفيين الذين يحملون بطاقات مهنية وتصاريح رسمية صادرة عن وزارة الإعلام مساحة أوسع للوصول إلى المصادر، بعيدًا عن القيود التي تُعيق حرية التغطية الصحفية.
في غضون ذلك، تبدو عودة النسخة الورقية لصحيفة الجماهير أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى. فالمطبعة، وفقًا لجمّال، أصبحت شبه جاهزة من الناحية الفنية، ولا تتطلب سوى بعض أعمال الصيانة الأساسية قبل إعادة تشغيلها، مع توقعات بأن تستأنف عملية الطباعة مطلع العام المقبل.
ويختتم رئيس التحرير حديثه معربًا عن أمله في أن تشهد المرحلة القادمة توسعًا أكبر في هامش الحريات الإعلامية داخل سوريا. كما يأمل أن ينعكس هذا التحسن في مؤشرات حرية الصحافة إيجابًا على واقع الصحفيين العاملين في الداخل، مما يُسهم في توفير بيئة مهنية تتسم بمزيد من الاستقلالية والقدرة على أداء دورها الرقابي والإخباري بفعالية.
تُصنف صحيفة «الجماهير» ضمن أعرق الصحف المحلية السورية، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1965. وقد جاء تأسيسها عقب دمج صحيفتي «الوطن» و«الشباب» بموجب المرسوم التشريعي الذي ينظم عمل مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، وصدر عددها الأول في الأول من آذار/مارس من العام ذاته.
على مر العقود، تولى رئاسة تحرير الصحيفة نخبة من أبرز الصحفيين والإعلاميين في حلب. من بين هؤلاء، الصحفي أحمد نجّار، الذي شهدت فترة إدارته نشاطًا صحفيًا واسعًا وتوسعًا ملحوظًا في التحقيقات والملفات الخدمية. إلا أنه أُقيل من منصبه بعد نشره مادة صحفية تناولت إحدى الشركات الغذائية المرتبطة بشخصية متنفذة خلال عهد حافظ الأسد.
وبرز أيضًا اسم مصطفى النجار، الذي اشتهرت الصحيفة في عهده بنشر تحقيقات صحفية جريئة. وقد انتهت هذه التحقيقات بإقالته وفرض الإقامة الجبرية عليه، وذلك بعد نشره تحقيقًا تناول محافظ حلب الأسبق مصطفى ميرو، الذي تولى لاحقًا منصب رئيس الوزراء.
لقد مرت صحيفة «الجماهير» بمراحل مختلفة شهدت خلالها تضييقًا سياسيًا وأمنيًا، وهيمنة مباشرة من قبل حزب البعث والأجهزة الأمنية على خطها التحريري. واليوم، تدخل الصحيفة مرحلة جديدة تسعى فيها لإعادة تعريف دورها ضمن المشهد الإعلامي المحلي، في مدينة لا تزال تعمل على ترميم ذاكرتها ومؤسساتها بعد سنوات الحرب الطويلة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي