التغريبة الفلسطينية: دراما سورية خالدة ترسخ النكبة في الذاكرة البصرية العربية


هذا الخبر بعنوان "التغريبة الفلسطينية: حين حوّلت الدراما السورية النكبة إلى ذاكرة بصرية عربية" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، وما صاحبها من تهجير قسري نفذه الاحتلال الإسرائيلي بحق مئات آلاف الفلسطينيين، عاد مسلسل "التغريبة الفلسطينية" ليحتل صدارة التداول مجدداً عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية. تتجدد مشاهد ومقاطع من العمل، وتُستحضر قصته في تقارير وبرامج تسلط الضوء على حضوره المستمر بعد أكثر من عشرين عاماً على إنتاجه.
يتذكر إبراهيم الريفي، الشاب الإسباني من أصول مغربية، كيف شاهد "التغريبة الفلسطينية" للمرة الأولى عام 2018 بناءً على نصيحة صديق، ليظل العمل عالقاً في ذاكرته حتى اليوم. لم يكن المسلسل مجرد عمل درامي عن فلسطين بالنسبة له، بل كان نافذة متأخرة فتحت له عالماً ظل بعيداً عن جيله من أبناء المغاربة الذين ولدوا وترعرعوا في إسبانيا.
في حديث لـ سانا، يوضح إبراهيم أن العمل عرّفه على تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية وقرّبه من النكبة نفسها. ومع ذلك، يرى أن المسلسل لا يزال بحاجة ماسة للوصول إلى جمهور أوسع خارج العالم العربي، مشيراً إلى أن غياب الترجمة يشكل عائقاً أساسياً أمام انتشاره بين المهتمين بالقضية الفلسطينية في الغرب. ويقول: "المسلسل يجب أن يُترجم، لأن كثيرين في الغرب، وحتى من أصول عربية، لا يستطيعون فهم اللغة العربية واللهجة الفلسطينية، رغم أن العمل يشرح ما حدث منذ البداية بطريقة إنسانية واضحة"، مضيفاً: "أتمنى أن أكون جزءاً من ترجمته".
لا تزال القرى الحجرية وأشجار الزيتون والأعراس التي شاهدها إبراهيم في المسلسل، والمفردات الفلسطينية التي سمعها للمرة الأولى، حاضرة في ذهنه. لكن ما رسخ في ذاكرته أكثر من أي شيء آخر، كانت مشاهد التهجير واللجوء، حيث يؤكد: "حتى اليوم، عندما يُذكر الحديث عن النكبة، أتذكر التغريبة الفلسطينية".
بعد أكثر من عقدين على عرضه الأول في رمضان عام 2004، لا يزال العمل الذي كتبه الشاعر والكاتب الفلسطيني وليد سيف، وأخرجه المخرج السوري الراحل حاتم علي، يحتفظ بمكانة استثنائية في الذاكرة العربية. يُعد المسلسل واحداً من أبرز الأعمال الدرامية التي تناولت القضية الفلسطينية من منظور إنساني واجتماعي، مبتعداً عن الخطابات السياسية المباشرة.
لقد شكل المسلسل محطة مفصلية في تاريخ الدراما العربية، حيث أعاد تقديم النكبة الفلسطينية من خلال تفاصيل الحياة اليومية لعائلة ريفية تواجه التهجير والاقتلاع والتحولات التي سبقت عام 1948 وما تلاه. لم يكن ارتباط حاتم علي بالمسلسل فنياً فحسب، بل حمل بعداً شخصياً أيضاً، فالمخرج السوري المنحدر من عائلة مهجّرة من الجولان السوري المحتل، تحدث في أكثر من مناسبة عن شعوره بأن العمل يشبه تجربته الإنسانية الخاصة، وهو ما منحه صدقه العاطفي وقدرته على ملامسة جمهور واسع داخل العالم العربي وخارجه.
حرص صناع العمل على الابتعاد عن اللغة الشعاراتية التقليدية، وقدموا القضية الفلسطينية بوصفها حكاية إنسانية مفتوحة على تجارب الاقتلاع واللجوء. لاحقاً، وسّع الكاتب الفلسطيني وليد سيف عالم "التغريبة الفلسطينية" أدبياً، محولاً العمل إلى روايتين بعنوان "أيام البلاد" و"حكايا المخيم"، صدرتا عام 2022، واستكمل عبرهما سرد التحولات الاجتماعية والإنسانية التي عاشها الفلسطينيون قبل النكبة وبعدها. وفي العام الماضي، نقلت صحيفة "رأي اليوم" الأردنية عن سيف قوله: "لا يوجد ما يمنع" إنتاج جزء ثانٍ من "التغريبة الفلسطينية".
بالنسبة لكثير من المشاهدين العرب، لم تكمن قوة "التغريبة الفلسطينية" في إعادة سرد الأحداث التاريخية فقط، بل في تحويل تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية إلى ذاكرة بصرية جماعية. وقد تحقق ذلك عبر إيقاع هادئ وصور ركزت على الإنسان العادي، والفلاح، والأم، واللاجئ، والمقاتل، أكثر من تركيزها على الشعارات السياسية.
يقول الصحفي الفلسطيني رمزي البيروتي، وهو لاجئ فلسطيني من غزة ويقيم في إسبانيا، إن المسلسل ترك "بصمة كبيرة" في الوجدان العربي بفضل تناوله المهني والدقيق لأحداث النكبة. ويضيف أن بعض مشاهده بدت "أقرب إلى تجربة حقيقية منها إلى أداء تمثيلي"، مشيراً بشكل خاص إلى مشاهد الفنان السوري الراحل خالد تاجا، التي بقيت حاضرة في ذاكرة كثير من المشاهدين.
يرى البيروتي أن حضور المسلسل عاد بقوة خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، خصوصاً مع تداول مقاطع من العمل على منصات التواصل الاجتماعي، ترافقها موسيقا الشارة الشهيرة. ويأتي ذلك في ظل التشابه الذي رآه كثيرون بين مشاهد النزوح والخيام في غزة اليوم، وتلك التي قدمها المسلسل عن نكبة عام 1948. ويؤكد: "التغريبة الفلسطينية من أقوى الأعمال الدرامية التي تناولت النكبة، وربما الصراع العربي الإسرائيلي عموماً".
يرى النقاد أن المسلسل مثل أحد أهم نماذج الدراما السورية التي استطاعت تحويل التاريخ العربي الحديث إلى سردية بصرية طويلة الأمد. ويعزى ذلك ليس فقط لموضوعه، بل أيضاً لأسلوبه البطيء والهادئ، واعتماده على التفاصيل الصغيرة التي منحت شخصياته طابعاً إنسانياً معقداً وبعيداً عن التنميط. وبعد أكثر من عقدين على إنتاجه، لا يزال مسلسل "التغريبة الفلسطينية" حاضراً بقوة في النقاشات العربية، ليس بوصفه عملاً يوثق الماضي فحسب، بل باعتباره سردية فنية تستعاد كلما عاد الفلسطينيون إلى مواجهة مشاهد التهجير والفقدان نفسها، التي لم تغادر ذاكرتهم منذ عام 1948.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة