الليرة السورية في دوامة التقلبات: خبراء يكشفون الأسباب المعقدة وراء عدم استقرار سعر الصرف


هذا الخبر بعنوان "خبراء الاقتصاد يشرحون لماذا لا يستقر سعر الصرف في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد الليرة السورية تقلبات مستمرة أمام الدولار الأمريكي، وقد تجلى هذا التذبذب بوضوح منذ بداية شهر أيار الحالي، حيث سجلت العملة المحلية انخفاضًا متواصلًا، ليصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 13900 ليرة سورية قديمة في السوق السوداء. وعلى الرغم من هذه التقلبات، حافظ مصرف سوريا المركزي على سعر صرف ثابت عند 11,250 ليرة سورية قديمة للشراء و11,350 ليرة للبيع، و112,50 ليرة جديدة للشراء و113,50 ليرة للبيع لكل دولار.
أسباب عدم استقرار الليرة: رؤى الخبراء
يرى المستشار الاقتصادي في وزارة الاقتصاد والصناعة، أسامة القاضي، أن أحد أبرز عوامل انخفاض الليرة السورية يعود إلى التضخم في أسعار العديد من المواد المستوردة. وضرب القاضي مثالًا على ذلك بارتفاع أسعار أسمدة اليوريا بنسبة 60%، وهو ما يتماشى مع الارتفاع العالمي لأسعار الأسمدة الذي تجاوز 30%. وأشار في حديثه إلى عنب بلدي، إلى أن استيراد مواد أساسية مثل الطاقة والأعلاف أدى إلى زيادة الطلب على القطع الأجنبي في الداخل، مما دفع قيمة صرف الدولار للارتفاع مقابل الليرة السورية.
ولم تتوقف الأسباب عند هذا الحد، فبحسب القاضي، هناك إشكالات أخرى تشمل عدم اكتمال البنية التحتية المصرفية، مما أخر مسألة استبدال العملة. كما لفت إلى عدم صدور قرارات تلغي تلك السابقة التي جمدت الأرصدة المودعة قبل أيار 2025، وغياب التواصل بين البنوك للدفع الإلكتروني، الأمر الذي أضعف الثقة بالمصارف وعطل ضبط الكتلة النقدية. وأوضح القاضي أن عدم إلحاق المصارف السورية بمنظومة "السويفت" حتى الآن أخر دخول الاستثمارات، رغم وجود بنوك غير وطنية في سوريا يسهل التعامل معها. ونوه إلى مشاكل في التحويلات عبر "السويفت" التي تنتظر التسهيلات لدخول القطع الأجنبي إلى السوق السورية، مما أخر توفر الكميات اللازمة للبلاد.
من جانبه، أوضح نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، محمد الحلاق، أن سعر الصرف في سوريا يتأثر بعوامل متعددة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي. وتتجلى العوامل الاقتصادية في انخفاض معروض القطع الأجنبي نتيجة قلة التحويلات من الخارج بسبب الحرب الإيرانية-الأمريكية. كما أن زيادة حجم المستوردات وتسديد الرسوم الجمركية وسلفة ضريبة الدخل بالدولار أثرت بشكل مباشر على سعر الصرف، وفقًا لما قاله الحلاق لعنب بلدي. وأضاف أن الحكومة تواجه تحديًا كبيرًا في تفكيك التركيبة المشوهة التي خلفها النظام السابق، بدءًا من الرواتب المنخفضة وسرقات الخزينة وأموال التأمينات الاجتماعية وأموال المنصة، وصولًا إلى تعقيدات حول حقيقة مداخيل حكومات النظام السابق. وشدد الحلاق على أن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الحكومة على بناء المنزل الداخلي ماليًا واقتصاديًا واجتماعيًا، مؤكدًا على ضرورة التشاركية مع قطاع الأعمال في أي قرار.
سياسات حكومية تضعف الثقة بالليرة
أشار الخبير المالي، خلدون الطباع، إلى أن السياسة النقدية التي تعتمدها الحكومة السورية، والمتمثلة في تجفيف العملة الوطنية كمحاولة للحفاظ عليها، أثرت وتؤثر سلبًا على ثقة المواطنين بالليرة. فالقرار الأخير للمصرف المركزي بحصر تسليم الحوالات بالليرة السورية وبسعر الصرف الذي يحدده المركزي مع هامش ربح 15%، أدى، بحسب الطباع، إلى ضعف ثقة المواطن بالليرة، كون التسعيرة ستكون أقل من السوق السوداء.
ووصف الخبير الاقتصادي، عمار اليوسف، منطق الإدارة النقدية لتثبيت سعر صرف الدولار من خلال حبس السيولة بأنه "مدمر للاقتصاد الوطني"، كونه يلجم الحركة الاقتصادية ويشكل معوقًا كبيرًا أمام تعافي الاقتصاد. واعتبر الخبير الاقتصادي، غازي المهايني، أن مصرف سوريا المركزي لم يكن لديه أي محاولات استراتيجية أو خطط واضحة للحفاظ على استقرار أسعار الصرف، مشيرًا إلى أن ما تم إيجاده في عهد الحاكم السابق للمركزي كان عبارة عن قرارات طوارئ إسعافية وارتجالية في معظمها، لا تعالج أساس المشكلة بل تخفي الأعراض فقط.
عوامل خارجية تزيد الضغط على الليرة
لم تقتصر أسباب تراجع الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي على العوامل الداخلية. فقد أوضح الخبير الاقتصادي، غازي المهايني، في حديثه إلى عنب بلدي، أن سوريا تأثرت كغيرها بعوامل الحرب الإيرانية-الأمريكية في المنطقة، من خلال انخفاض قيمة حوالات المغتربين السوريين في الخليج إلى سوريا، بالإضافة إلى توقف حركة الطيران والسفر من وإلى سوريا. وقد أدى ذلك في النهاية إلى انخفاض معروض الدولار في السوق السورية. ونوه إلى أن هذه العوامل تزامنت مع ارتفاع تكلفة النفط المستورد بنسبة 60%، مما زاد فاتورة الإنفاق الحكومي وخلق طلبًا متزايدًا على الدولار مقابل انخفاض الطلب على الليرة السورية.
وأرجع الخبير الاقتصادي، زياد عربش، أسباب انخفاض سعر صرف الدولار أمام الليرة إلى انحسار تدفقات الحوالات إثر التوترات في بحر العرب وتزايد الطلب على الدولار بسبب عدم الثقة بالليرة، بالإضافة إلى استمرار العجز في الموازنة العامة وشح الاحتياطي الأجنبي الحقيقي. وأضاف عربش أسبابًا أخرى شملت هيمنة السوق السوداء على تحديد السعر الفعلي والاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية، التي أضافت ضغطًا إضافيًا للطلب على الدولار كعملة آمنة.
سعر الصرف بين الحقيقة والوهم
وصف المستشار المالي، خلدون الطباع، سعر صرف الدولار أمام الليرة بالوهمي، مرجحًا أن يكون السعر الحقيقي بين 200 إلى 230 ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل 20 ألف ليرة قديمة. ويتفق الخبير الاقتصادي، عمار اليوسف، مع الطباع على اعتبار السعر الحالي لليرة السورية أمام الدولار وهميًا، مرجعًا ذلك إلى حبس السيولة من قِبل المصرف المركزي. كما أن تبدل أكبر فئة نقدية بين العملة القديمة والجديدة من 5000 إلى 500 ليرة أدى إلى مضاعفة قيمة العملة، مما نجم عنه انعكاس سعري معين للصرف.
وتوقع الخبير الاقتصادي، غازي المهايني، أن السعر الحقيقي للدولار أعلى من الحالي، مشيرًا إلى صعوبة تحديد سعره الحقيقي في ظل غياب وشح المعلومات الصادرة عن المركزي. واعتبر الخبير الاقتصادي، زياد عربش، أن السعر الحالي يعتبر دون القيمة الحقيقية، مبينًا أن السعر الحقيقي حسب تقديرات الخبراء والمستشارين الاقتصاديين يتراوح بين 17,000 إلى 20,000 ليرة قديمة للدولار الواحد. أما نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، محمد الحلاق، فرفض وصف السعر الحالي للصرف بالوهمي، وذلك نظرًا لإمكانية البيع والشراء بالسعر المطروح، موضحًا أن السعر الحالي لا يعكس الواقع للقيمة الحقيقية للليرة السورية، وبالتالي فهناك فارق بين العبارتين.
ما المطلوب لإنقاذ الليرة؟
يرى المستشار الاقتصادي أسامة القاضي، أن المطلوب من الإدارة الجديدة للمصرف المركزي هو الاستعجال في استكمال البنية التحتية المصرفية، وحث المستثمرين على إدخال أكبر قدر من القطع الأجنبي والبدء باستثماراتهم. كما دعا إلى تشجيع الزراعة والصناعة وتحريك عجلة النمو الاقتصادي لزيادة الصادرات. وفي ختام حديثه، أشار إلى ضرورة الاستعجال بالدفع الإلكتروني واستكمال استبدال العملة وطرح الكميات اللازمة من آلات السحب للأموال.
من جانبه، أكد المستشار والخبير المالي، خلدون الطباع، على أهمية تفعيل المحافظ الإلكترونية للدفع من خلالها، لما لها من تأثير إيجابي ومساعدة كبيرة على توازن سعر الصرف من خلال بناء الثقة وتعزيز دور المصرف المركزي، شريطة تفعيلها بشكل صحيح. وأوضح الطباع أن تعزيز صرف الليرة يتجلى من خلال تعزيز دور الإنتاج المحلي في القطاعين الزراعي والصناعي، الأمر الذي يستدعي خطة إصلاح حكومية اقتصادية واضحة تعزز دور هذه القطاعات لزيادة الناتج المحلي، مما يسهم في تعافي سعر الصرف.
وبين الخبير الاقتصادي زياد عربش، أن الضوابط الموصى بها تكمن في توحيد سوق الصرف عبر تفريغ الفجوة الزمنية بين السعر الرسمي والسوق السوداء بشكل تدريجي، ومنع التعامل بالقطع الأجنبي إلا عبر المصارف والشركات المرخصة رسميًا فقط. كما دعا إلى تعزيز المعروض الأجنبي عبر تشجيع التحويلات الخارجية وتنشيط تصدير المنتج الوطني وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، وكبح طباعة العملة لتمويل العجز، بالإضافة إلى الشفافية في البيانات عبر الإعلان عن الاحتياطي الأجنبي الحقيقي وأسعار الصرف الموحدة. وأعرب القاضي عن رأيه بأن الالتحاق بمنظومة "سويفت" ودخول القطع الأجنبي بكميات كبيرة إلى البلد قد ينجم عنه تحسن في صرف الليرة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد