اقتصاد "القطعة" في سوريا: كيف يعيد ارتفاع الأسعار تشكيل سلوك المستهلكين والأسواق؟


هذا الخبر بعنوان "الشراء بالقطعة في سوريا.. تحولات عميقة في سلوك المستهلك بين الحاجة والمرونة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تدفع الارتفاعات المتواصلة في الأسعار شريحة واسعة من السوريين إلى تبني استراتيجيات جديدة لإدارة نفقاتهم اليومية، ما أفرز نمطاً شرائياً مغايراً يعتمد على اقتناء السلع بكميات صغيرة جداً أو "بالقطعة". يعكس هذا التحول الجذري محاولات الأسر للتكيف مع ضغوط المعيشة المتزايدة، من خلال توزيع النفقات على فترات زمنية قصيرة بدلاً من شراء كميات كبيرة تتطلب قدرة مالية لم تعد متاحة.
مع انتشار هذا السلوك، بدأت الأسواق المحلية في سوريا تتغير بدورها لتلبية الطلب المتزايد على السلع المجزأة، في ظاهرة باتت ترسم ملامح جديدة للحركة التجارية والاقتصادية.
تتجلى ملامح هذا الاقتصاد الجديد بوضوح في المحال التي تبيع المواد الغذائية والمنظفات والسلع اليومية، حيث يكتفي المستهلك بشراء ما يكفيه ليوم أو يومين فقط. وفي هذا السياق، يوضح الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر، مهند الزنبركجي، في حديث لـ«الحرية»، أن هذا السلوك يعكس ضعف القوة المالية للأسر ويكشف عن حجم الأموال المتاحة للإنفاق اليومي. فاللجوء إلى شراء الكميات الصغيرة يشير بوضوح إلى محدودية الدخل وعدم القدرة على شراء الكميات الأكبر.
يشير الزنبركجي إلى أن هذا النمط يقدم مؤشراً مهماً على التوجهات الاستهلاكية الجديدة، حيث باتت الأسر تركز على السلع الأساسية والغذاء، وتتجنب المنتجات الكمالية أو العبوات الكبيرة التي تتطلب إنفاقاً أعلى، ما يعكس إعادة ترتيب واضحة لأولويات الاستهلاك في ظل الظروف الراهنة.
على الرغم من أن الشراء بالقطعة يبدو حلاً عملياً للأسر، إلا أنه يحمّل المستهلك تكلفة أعلى مقارنة بالشراء بالجملة. يوضح الزنبركجي أن البيع بالتجزئة الدقيقة يتضمن تكاليف إضافية تتعلق بتقسيم السلع وتغليفها وبيعها بشكل منفرد، كما أن بعض التجار قد يرفعون السعر لتعويض انخفاض الكمية المباعة.
ومع ذلك، يظل هذا السعر الإضافي مقبولاً لدى المستهلكين لأنه يتناسب مع قدراتهم المالية الفورية ويتيح لهم تلبية احتياجاتهم دون استنزاف مواردهم المحدودة. يرى الزنبركجي أن هذا النمط يعكس معادلة واضحة: المستهلك يدفع أكثر مقابل كمية أقل، لكنه يحصل على مرونة أكبر في إدارة دخله اليومي، وهو ما يجعله يفضل هذا الخيار رغم كلفته المرتفعة نسبياً.
يمتد تأثير اقتصاد التجزئة الدقيقة ليشمل التجار والشركات على حد سواء. يشير الزنبركجي إلى أن هذا النمط يمنح التجار فرصة لتوسيع قاعدة العملاء وزيادة المبيعات اليومية، خاصة في المناطق ذات القدرة الشرائية الضعيفة. لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بالربحية وإدارة المخزون، لأن البيع بالقطعة يعني تكاليف إضافية في التغليف والتوزيع ويقلل من هامش الربح لكل وحدة.
يضيف الزنبركجي أن الشركات الكبيرة قد تجد صعوبة في التكيف مع هذا النمط ما لم تعتمد استراتيجيات خاصة تلائم الطلب المحلي الصغير، مثل إنتاج عبوات صغيرة الحجم أو تطوير خطوط تغليف جديدة. ومع ذلك، يؤكد أن هذا الاقتصاد يعزز مرونة السوق ويخلق فرصاً للتجار المحليين الصغار للبقاء والتنافس رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، ما يجعل الأسواق أكثر حيوية وانتعاشاً في ظل محدودية الموارد.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 40% من الأسر السورية باتت تعتمد بشكل أساسي على الشراء بالقطعة لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما تتجه الأسواق نحو تعزيز هذا النمط عبر توفير عبوات أصغر وأسعار أكثر مرونة. وإذا استمرت الظروف الاقتصادية على حالها، يتوقع الزنبركجي أن يتوسع اقتصاد التجزئة الدقيقة خلال السنوات المقبلة ليصبح جزءاً ثابتاً من البنية التجارية، مع تأثيرات مباشرة على أنماط الإنتاج والتسويق وأساليب إدارة المخزون. وبين الحاجة والواقع، يبدو أن هذا الاقتصاد سيبقى حاضراً طالما بقيت القدرة الشرائية محدودة والخيارات المتاحة أمام المستهلك ضيقة.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد