حرفة الكوشوك في معرة النعمان: صمود تقليدي واقتصاد بيئي مستدام


هذا الخبر بعنوان "صناعة “الكوشوك” نموذج للحرف التقليدية في معرة النعمان بريف إدلب" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في معرة النعمان بريف إدلب، تتجلى ورش حرفة صناعة "الكوشوك" كنموذج حي للحرف التقليدية التي تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية. فمن جهة، توفر هذه الحرفة فرص عمل لسكان المدينة التي تسعى للتعافي وإعادة بناء ورش الإنتاج بعد سنوات من الدمار. ومن جهة أخرى، تساهم في حماية البيئة عبر إعادة تدوير العجلات التالفة وتحويلها إلى أدوات عملية، بدلاً من رميها كنفايات.
تُعرف صناعة "الكوشوك" محلياً بـ "الزنابيل والدراميل البلاستيكية"، وهي عمل يدوي يعتمد بشكل أساسي على إعادة تدوير الإطارات المهترئة. تُستخدم هذه المنتجات في نقل الأتربة والأدوات الحادة والمواد الزراعية، وتجد لها استخداماً واسعاً في الأعمال الزراعية، خصوصاً خلال موسم الزيتون في ريف إدلب الشمالي الغربي. وتتميز هذه الصناعة باعتمادها الكلي على مواد أولية متوافرة محلياً وبكلفة منخفضة.
على مدى أربعة عقود، واصل إبراهيم الطعمة، أحد أبناء مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، عمله في ورشته، متمسكاً بحرفة تقليدية قاومت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي كادت أن تقضي عليها. وبفضل إخلاص أصحابها، ظلت هذه المهنة حاضرة رغم تراجع العديد من المهن اليدوية الأخرى.
يقول الطعمة لوكالة سانا: "تعلمت الحرفة منذ الصغر، وما زلت أزاولها منذ 40 عاماً، وحرصت على توريثها لأولادي وأقاربي. لقد حافظت هذه الحرفة على وجودها لأن منتجاتها، وخاصة "الزنبيل والدرملية"، ما زالت حاضرة بقوة في السوق المحلية. كما يتم تصدير بعض المنتجات إلى عدد من الدول، فيما تُستهلك بقية المنتجات محلياً لأغراض البناء والزراعة".
ويضيف الطعمة أن صناعة الكوشوك تتميز باعتمادها على مواد أولية متوافرة محلياً وبكلفة منخفضة، قوامها الإطارات التالفة، مما يجعلها مصدراً ثابتاً للدخل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. ولا تحتاج هذه الحرفة إلى رأسمال كبير، كما أن مستلزماتها متوافرة باستمرار. بالإضافة إلى ذلك، فإن إعادة تدوير الإطارات التالفة يقلل من تكدسها في الأحياء والطرقات.
يرى الحرفي الطعمة أن معظم المهن اليدوية في معرة النعمان تراجعت مع سنوات الحرب والنزوح ودخول البضائع الجاهزة. إلا أن حرفة صناعة الكوشوك بقيت مستمرة نظراً لحاجة السوق المحلية لها وانخفاض كلفتها، معتبراً أن استمرارها مرهون بدعم بسيط لتأمين المواد الأولية وتسهيل تسويق المنتج.
ولم يكن عماد العمشة، من أهالي معرة النعمان، أقل شغفاً بالمهنة من ابن مدينته الطعمة. أوضح العمشة أنها حرفة قديمة ورثها عن آبائه وأجداده، وتنتج نحو عشرين صنفاً. من هذه الأصناف "زنابيل" تستخدم كمعالف للمواشي التي يتم تصديرها إلى السعودية والأردن والعراق، وأخرى لمحامص الموالح ولمحلات الخضار والفواكه، ولاستخراج المياه يدوياً من الآبار المنزلية. إضافة إلى ذلك، يتم تصنيع حبيبات لفرش أرضية الملاعب ناتجة عن طحن السطح الخارجي للإطارات.
ووفقاً للعمشة، يعمل حالياً في هذه الحرفة ما يقارب خمس عائلات في المنطقة. موضحاً أن الحرفة تدر دخلاً مقبولاً، لكنها تواجه بعض المعوقات منها ضعف التصدير نتيجة ارتفاع الضريبة الجمركية عليها، وقلة اليد العاملة الراغبة في العمل بهذه الحرفة الشاقة نوعاً ما. ورغم هذه الصعوبات، يشدد العمشة على أنها تبقى مهنة تراثية ليس من السهل التخلي عنها.
شهدت مدينة معرة النعمان تراجعاً كبيراً في عدد الحرف اليدوية خلال السنوات الماضية بسبب الحرب والنزوح ودخول البضائع المصنعة. لكن بعض الحرف التراثية المرتبطة بالحاجة اليومية للأهالي وتاريخ مدنهم وآبائهم وأجدادهم، مثل صناعة الكوشوك، نجحت في البقاء واستمرت كمصدر رزق رئيسي لعائلات.
ولا تزال هذه الحرفة تعتمد على العمال اليدويين، حيث تعد ورش الكوشوك في معرة النعمان نموذجاً للحرف التقليدية الصامدة أمام سيطرة الصناعات الجاهزة، وتبقى جزءاً لا يتجزأ من الهوية المهنية للمدينة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد