سوريا 'مركز ثقل' جديد: شهادة قائد سنتكوم تعيد تعريف التموضع الأمريكي ومستقبل الدور في المنطقة


هذا الخبر بعنوان "دلالات “مركز الثقل” ومستقبل الدور الأمريكي في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تطورات سياسية وعسكرية غير مسبوقة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في المشهد السوري، وذلك في أعقاب شهادة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأدميرال تشارلز برادفورد كوبر الثاني، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي. هذه الشهادة أعادت صياغة التموضع الأمريكي في المنطقة، ووضعت سوريا في صميم الاستراتيجية الدولية كـ"مركز ثقل" لا يمكن تجاوزه في الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".
يتناول هذا التقرير من "عنب بلدي" الأبعاد الأمنية لإفادة قائد "سنتكوم"، ودلالات توقيتها، وتغير الخطاب الدبلوماسي، بالإضافة إلى آفاق الدعم المستدام لدمشق، والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل الوجود الأمريكي عسكريًا وأمنيًا.
ترى الباحثة والمحللة السياسية المتخصصة في قضايا الشرق الأوسط، إيفا ج. كولوريوتيس، في حديثها لـ"عنب بلدي"، أن واشنطن لا تزال تعتبر التنظيمات الجهادية السنّية، وعلى رأسها تنظيم "الدولة"، مصدر خطر على أمنها الدولي والداخلي، وذلك على الرغم من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران ووكلائها في المنطقة. وأضافت كولوريوتيس أن هناك من يرى إمكانية تقاطع مساري هذين "التهديدين"، أي إيران ووكلائها من جهة، والجماعات الجهادية من جهة أخرى، كما حدث في حالات سابقة.
وأشارت الباحثة إلى أن تنظيم "القاعدة" في أفغانستان لجأ سابقًا إلى الأراضي الإيرانية بعد الحرب الأمريكية ضد "طالبان". وبالمثل، تعاونت الجماعات الشيعية العراقية المرتبطة بطهران مع تنظيمات جهادية سنّية في العراق بعد الغزو الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين. كما تنسق الجماعة الإسلامية في لبنان تحركاتها العسكرية في الجنوب مع "حزب الله".
من وجهة نظر كولوريوتيس، تعتقد واشنطن أن الحرب ضد إيران ووكلائها في المنطقة قد تدفع تنظيم "الدولة" لاستغلال هذا الانشغال لإعادة تنظيم وجوده في الشرق الأوسط، وقد تدفع طهران أيضًا إلى دعم التنظيم بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يحوله مرة أخرى إلى مصدر استنزاف وخطر على أمريكا وإسرائيل والغرب.
من جانبه، اعتبر الباحث الأول في "المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة" الدكتور سمير العبد الله، في قراءة لـ"عنب بلدي"، أن التحليل العميق لإفادة "سنتكوم" يكشف أن الخوف الأمريكي الحقيقي ليس عودة تقليدية لتنظيم "الدولة"، بل ظهور "بيئة فوضى مستدامة". وأوضح العبد الله أن معظم الدول ترى أن التنظيم قد انتهى من حيث السيطرة المكانية، لكنه يمر بمرحلة كُمون ويتبع استراتيجية جديدة تقوم على إعادة ترتيب صفوفه والتجنيد بانتظار الفرصة المناسبة للظهور مجددًا.
وتشكل سوريا مجالًا مكانيًا مهمًا لتنظيم "الدولة"، بحسب الباحث، خاصة وأنها تمر بمرحلة انتقالية لم تستكمل بعد بناء أجهزتها الأمنية والعسكرية، مع حالة ضعف اقتصادي، وهي البيئة المناسبة لإحياء التنظيم.
تعتبر كولوريوتيس أن تصريح الجنرال تشارلز برادفورد كوبر الثاني، بشأن اعتبار دمشق "مركز ثقل"، هو تأكيد من الإدارة الأمريكية أن عملياتها العسكرية ضد تنظيم "الدولة" تندرج ضمن عملية "العزم الصلب". وينعكس ذلك، وفق كولوريوتيس، في الزيارات المتكررة التي يجريها جنرالات تابعون للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إلى دمشق، ومتابعتهم لسير العمليات العسكرية التي تنفذها الحكومة السورية ضد تنظيم "الدولة" في البادية السورية.
وأكدت الباحثة أن واشنطن أنشأت لنفسها مركز قيادة عمليات ضد تنظيم "الدولة" قرب دمشق بالتنسيق مع الحكومة السورية، وفقًا لمصادر داخل دمشق وخارجها، مشيرة إلى أن هذه خطوة أولى ستتبعها خطوات أخرى لزيادة التنسيق بين الجيش الأمريكي والجيش السوري.
يعتقد الدكتور سمير العبد الله أن إفادة قائد القيادة المركزية الأمريكية أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي تعكس المقاربة الأمريكية لسوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، إذ انتقلت لمرحلة إدارة ما بعد الصراع، إضافة إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بعد التطورات الإقليمية في السنوات الثلاث الأخيرة، لذلك وصفها بأنها "مركز ثقل"، معتبرًا أنها كذلك بالفعل بالنسبة لتلك التطورات.
واللافت، بحسب العبد الله، أن "سنتكوم" لم تتحدث عن سوريا باعتبارها "ساحة مكافحة إرهاب" فقط، بل "مركز الثقل"، مبينًا أن هذا التعبير في العقيدة العسكرية الأمريكية ليس توصيفًا تكتيكيًا، بل يُستخدم عندما ترى المؤسسة العسكرية أن مصير منظومة إقليمية كاملة يمكن أن يُحسم من خلال عقدة جغرافية-سياسية معينة.
وأشار العبد الله إلى أن مستقبل تنظيم "الدولة" قد يُحسم في سوريا أكثر من دول الجوار، كما أن استقرار سوريا وانضمامها للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم "الدولة" يمثل فرصة للعالم للتخلص منه أو من أي تنظيمات مشابهة، مبينًا أن سوريا عقدة في محاور وتحالفات المنطقة، لذلك توليها أمريكا هذه الأهمية.
في شرحها لأبرز الرسائل التي توجهها "سنتكوم" إلى الرأي العام الأمريكي والقوى الإقليمية من خلال هذه الإحاطة في هذا التوقيت تحديدًا، قالت كولوريوتيس إن إدارة "ترامب" والقيادة المركزية الأمريكية تُعيدان التأكيد للرأي العام الأمريكي أنهما لا تزالان ملتزمتين بمحاربة تنظيم "الدولة"، وأن التنظيم ما زال يشكل تهديدًا رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب هزيمته قبل سنوات.
من جهة أخرى، تشكل هذه الإحاطة، تبعًا لكولوريوتيس، رسالة إلى المشككين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي بأن إدارة "ترامب" لديها تعاون استراتيجي مع الحكومة السورية، وخصوصًا في ملف مكافحة تنظيم "الدولة"، وأن هذه بداية لتعاون أوسع في ملفات أخرى، بعضها مرتبط بالداخل السوري وبعضها الآخر متصل بقضايا إقليمية. كما تنقل هذه الإحاطة، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، رسالة إلى الرأي العام الأمريكي بأن واشنطن تحافظ على اتصال وثيق مع الحكومة السورية، وتثق بها وبسياساتها الداخلية.
من جهته، يرى الباحث سمير العبد الله أن الإدارة الأمريكية تريد من ناحية تبرير استمرار تدخلها ووجودها في المنطقة، وتوجه رسالة للإدارة السورية بأن التعاون مشروط بالملفات الأمنية والاستخباراتية بشكل أساسي، وأنها لن تسمح بعودة سوريا ضمن حلف روسيا وإيران. لكن هذا لا يعني تحولًا سياسيًا كاملًا، وفقًا للعبد الله، إذ إن الولايات المتحدة لا تزال تتعامل ببراغماتية وحذر مع الإدارة الجديدة في سوريا.
وفق كولوريوتيس، فإن ترامب لا يريد زيادة عدد القوات الأمريكية في سوريا أو في العراق في المرحلة الحالية على الأقل، إذ إن خطر تنظيم "الدولة" الآن لا يستدعي ذلك، كما أن الحرب على إيران ووكلائها لم تنتهِ بعد. لكن في مرحلة لاحقة، قد يصبح التعاون العسكري الأمريكي مع الحكومة السورية أكثر علنية، بحسب كولوريوتيس، وبالتالي توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية مع دمشق تُتيح لواشنطن استخدام الأراضي السورية في عمليات "مكافحة الإرهاب"، وفتح قواعد عسكرية في هذا السياق.
من جانبه، يرى الدكتور العبد الله أن كل المؤشرات الحالية تُشير إلى أن أمريكا ستعمل على إعادة التموضع في المنطقة، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، دون العودة لانتشار كبير للقوات الأمريكية.
قالت كولوريوتيس إن السياسة الحالية للإدارة الأمريكية، والمتمثلة في الاعتراف الرسمي بالحكومة في دمشق، ثم رفع العقوبات، واللقاء بين الرئيس ترامب والشرع، تشكل رسالة إلى المنطقة والمجتمع الدولي تشجع على انخراط أوسع مع دمشق في جميع المجالات. وينعكس ذلك عمليًا، وفق الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، من خلال زيارات الشرع ووزير خارجيته إلى ألمانيا وبريطانيا، وتوقيع دمشق اتفاقيات اقتصادية مع دول في الاتحاد الأوروبي، وفتح الباب أمام تعاون وثيق بين دول الخليج والحكومة السورية في مجالات الأمن والطاقة وإعادة الإعمار والاستثمار. وبالتالي، يمكن القول إن إعطاء واشنطن الضوء الأخضر للحكومة السورية يعني عودة سوريا إلى المجتمع الدولي، ومن ثم بداية عملية التعافي وإعادة البناء.
بدوره، يعتقد العبد الله أن تأثير الرؤية الأمريكية كان وسيكون واضحًا أكثر على تفاعلات الدول الإقليمية مع الإدارة السورية الحالية، وهذا ما يتمثل بإقبال الدول الفاعلة في الشأن السوري، ما عدا إيران، على دعم سوريا، والاستثمار في استقرارها. وأكد أنه لو كان الموقف الأمريكي مختلفًا لكانت مواقف كثير من الدول مختلفة عما هي عليه الآن، وأن سوريا اليوم ضمن اهتمام أمريكا، وستعمل الدول على التحرك ضمن الهامش الذي ستسمح به أمريكا لها بالتحرك.
كما أن هناك الكثير من التحديات، وفق العبد الله، منها مدى نجاح التعاون الأمني في الحد من المخاطر وتهديدات تنظيم "الدولة" وغيره، وكذلك استكمال بناء المؤسسات الأمنية بأسرع وقت وسيطرتها على الأراضي السورية، خاصة البادية التي ينشط بها تنظيم "الدولة". وتابع الباحث في "المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة" أن أمريكا تستطيع دعم استقرار مُستدام في سوريا، إضافة إلى تشجيع الدول والشركات على الاستثمار اقتصاديًا فيها، غير أن النجاح مرتبط بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على تحقيق ذلك، فأمريكا تمكنت من القضاء على التنظيم عسكريًا، غير أن منع عودته يتطلب استقرارًا أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وهذا ما تعوّل عليه واشنطن في سوريا، وفقًا للباحث.
تمثل إفادة قائد "سنتكوم" إعلانًا غير مباشر عن العقيدة الأمريكية الجديدة في سوريا: إدارة الاستقرار الهش، ومنع الانهيار الكامل، والحفاظ على النفوذ بأقل تكلفة ممكنة، لإعادة تشكيل المنطقة كما حدث بعد غزو العراق، وهذا ما يجعل سوريا، في الرؤية الأمريكية الحالية، ليست مجرد ساحة صراع، بل محورًا لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
في 14 من أيار الحالي، حذرت صحيفة "النبأ" الناطقة باسم تنظيم "الدولة الإسلامية"، من أن مصير المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في القتال إلى جانب فصائل المعارضة السورية بات مهددًا بالتصفية، في ظل تعامل السلطات السورية الجديدة معهم بوصفهم "عبئًا يجب التخلّص منه"، بحسب تعبيرها. واعتبرت الصحيفة، في افتتاحية عددها، أن الحملة الأمنية الأخيرة التي استهدفت مقاتلين من أوزبكستان تمثل دليلًا على ما وصفته بـ"انكشاف حقيقة" القوى التي واجهها التنظيم خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن الفصائل التي قاتلت تحت شعار الثورة تحولت اليوم إلى سلطات تسعى لقمع التيار الإسلامي المتشدد.
وترى الصحيفة أن ما يواجهه هؤلاء المقاتلون حاليًا هو نتيجة مباشرة لما وصفته بـ"توجيهات مضللة" دفعتهم للقتال خارج صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية"، محملة شخصيات دينية مسؤولية توجيه الشباب نحو مشاريع سياسية وصفتها بـ"الفاشلة". وجددت الصحيفة دعوتها للمقاتلين الأجانب إلى مراجعة مواقفهم والانضمام إلى التنظيم، معتبرة أن هذا الخيار هو الوحيد الذي يضمن لهم "مكانة محترمة" قبل أي تغير سياسي وبعده.
كما حذرت من أن بقاء المقاتلين الأجانب في سوريا لن يكون مقبولًا من إسرائيل، مضيفة أن القيادة السورية الجديدة، في إشارة إلى الرئيس أحمد الشرع، حريصة على الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الجوار. ويُظهر تقاطع خطاب "النبأ" مع التطورات الميدانية أن ملف المقاتلين الأجانب لا يزال يمثل تحديًا أمنيًا وسياسيًا للحكومة السورية الجديدة، في وقت تحاول فيه الموازنة بين فرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وإدارة إرث التحالفات السابقة، والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، وسط محاولات من تنظيم "الدولة الإسلامية" لاستثمار هذا الملف في استقطاب أتباع جدد.
سوريا محلي
سياسة
ثقافة
سياسة