حرف دمشقية تحكي تاريخ الحج: جسر ثقافي واقتصادي يربط الشام بالديار المقدسة


هذا الخبر بعنوان "من دمشق إلى مكة.. حِرفٌ سوريّة تحمل روح الحج وذاكرة المكان المقدّس" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تنبعث من الأسواق المحيطة بالحرمين الشريفين روائح العود والمسك العبقة، وتتزين واجهات المحال بالمسابح اليدوية وسجادات الصلاة، التي حافظت لعقود طويلة على حضور الحرف التقليدية المرتبطة بمناسك الحج. تُعد هذه الحرف جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الروحية والثقافية للحجاج القادمين من شتى بقاع العالم، ومن بينهم الحجاج السوريون الذين حملوا معهم عبر الأزمان ذائقة دمشق الأصيلة والحرف الشرقية العريقة إلى الديار المقدسة.
على مر القرون، نسجت العلاقة بين الحجاز وبلاد الشام جسراً تجارياً وثقافياً وإنسانياً عميقاً، تجلى بوضوح في الحرف المرتبطة بالحج. فقد امتزجت الصناعات التقليدية الدمشقية والسورية بروح المكان المقدس، لتتحول بعض المنتجات اليدوية إلى جزء أصيل من تجربة الحاج نفسه، سواء في أدوات العبادة التي يستخدمها أو الهدايا والتذكارات التي تحمل رمزية دينية ووجدانية خاصة.
منذ العصور الإسلامية الأولى، لعب موقع الحجاز كمركز محوري لطرق القوافل دوراً أساسياً في نشأة بيئة حرفية غنية ومتنوعة. توافدت إلى هذه البيئة تأثيرات فنية وتقنيات يدوية من دمشق وحلب ومدن الشرق الإسلامي، انعكست بوضوح في الصناعات المرتبطة بالحج.
تُشير دراسة للمؤرخ السوري الدكتور عبد الكريم رافق، بعنوان "قافلة الحج الشامي وأهميتها في العهد العثماني"، إلى أن قوافل الحج القادمة من دمشق لم تكن تقتصر على نقل الحجاج فحسب، بل حملت معها أيضاً منتجات وحرفاً شامية ارتبطت بأسواق مكة والمدينة. من هذه المنتجات السجاد اليدوي والعطور الشرقية والمسابح والمشغولات النحاسية، مما أسهم عبر قرون في ترسيخ حضور الحرف السورية ضمن المشهد الثقافي والاقتصادي المرتبط بالحج.
وفي تصريح لوكالة سانا، أوضح الباحث في التراث عدنان تنبكجي أن "الحرف المرتبطة بالحج هي امتداد تاريخي لتقاليد متجذرة تطورت مع تطور حركة الحج نفسها، وكانت دائماً مرتبطة باحتياجات الحجاج، سواء من حيث العبادة أو التذكار".
وتبرز في مقدمة هذه الحرف، وفقاً لتنبكجي، صناعة سجادات الصلاة، التي اشتهرت في بلاد الشام بزخارفها الهندسية والنباتية المستوحاة من الفن الإسلامي. كانت هذه السجادات تُنسج تقليدياً باستخدام الأنوال اليدوية من الصوف أو القطن الطبيعي، ثم تطورت لاحقاً لتشمل نماذج خفيفة الوزن قابلة للطي صُممت خصيصاً للحجاج، وبعضها مزود ببوصلة لتحديد القبلة، في محاولة للجمع بين التراث والابتكار. ورغم دخول الآلات الحديثة التي أسهمت في زيادة الإنتاج وخفض التكاليف، لا يزال السجاد اليدوي يحتفظ بقيمته الفنية والرمزية، بوصفه قطعة تحمل روح الحرفة وذاكرة المكان.
أما صناعة المسابح، فيشير تنبكجي إلى أنها تُعد من أكثر الحرف ارتباطاً بالجانب الروحي للحج، إذ تستخدم في الذكر والتسبيح، وتحضر بقوة في الأسواق المحيطة بالحرمين. تُصنع المسبحة التقليدية من مواد طبيعية مثل الكهرمان والعقيق والأخشاب المعطرة، وتمر بمراحل دقيقة تبدأ باختيار المادة الخام وتقطيعها إلى حبات صغيرة تُصقل وتُثقب يدوياً، قبل أن تُجمع بخيوط قوية وتُضاف إليها "الشرابة" أو الزينة النهائية. وتتميز المسابح اليدوية السورية بجودتها العالية وتفردها، غير أن انتشار المنتجات الصناعية منخفضة السعر أثر على مكانتها التقليدية، كما تواجه الحرفة تحديات مرتبطة بارتفاع أسعار المواد الخام وعزوف بعض الشباب عن تعلم المهن اليدوية.
ولا تقتصر الحرف المرتبطة بالحج على السجاد والمسابح، بل تمتد لتشمل المشغولات النحاسية والفوانيس والمجسمات الدينية، بما في ذلك نماذج مصغرة للكعبة المشرفة. إضافة إلى ذلك، تحتل العطور والبخور مكانة خاصة في ثقافة الحجاج، ولا سيما دهن العود والمسك اللذين ارتبطا تاريخياً بالبيئة الحجازية والذائقة الدمشقية الشرقية. تعكس هذه المنتجات مزيجاً من البعد الجمالي والروحي، إذ يسعى الحاج إلى اقتناء تذكار يحمل عبق المكان المقدس ويختزن تجربة روحية وإنسانية يصعب نسيانها.
يؤكد تنبكجي أن هذه الحرف أسهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي بشكل ملحوظ، إذ اعتمدت شريحة واسعة من الحرفيين وأصحاب الورشات الصغيرة على مواسم الحج والعمرة لتحقيق دخلها السنوي، إلى جانب عدد محدود من المصانع التي تنتج مئات آلاف القطع من السجاد والمسابح والهدايا سنوياً.
ويبين أن تسويق هذه المنتجات مستمر حالياً عبر الأسواق الشعبية التقليدية القريبة من الحرمين، والمحال التجارية الحديثة والفنادق، إضافة إلى منصات التجارة الإلكترونية التي باتت تستهدف الحجاج قبل وصولهم إلى المملكة، في تحول يعكس تطور أساليب التسويق المرتبطة بالحج.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
اقتصاد