محيي الدين اللاذقاني: الثقافة ذاكرة الحرية والمثقف ضمير الأمة في مواجهة التحديات


هذا الخبر بعنوان "محيي الدين اللاذقاني: الثقافة ذاكرة الحرية والمثقف ضمير زمنه" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: من قرية سرمدا في محافظة إدلب، نسج الكاتب والمفكر السوري الدكتور محيي الدين اللاذقاني مسيرة فكرية امتدت لعقود، شملت البحث والنقد والقضايا الإنسانية والحرية. في حوار مع سانا الثقافية، يستعرض اللاذقاني محطات حياته، وتجربة المنفى، ورؤيته لسوريا المستقبل، ودور الثقافة والمثقف في ترسيخ قيم المواطنة.
سرمدا.. البدايات التي صنعت الحلم
أكد اللاذقاني أن رحلته مع الثقافة بدأت في طفولته، حيث تشكل وعيه بين طبيعة قريته والقراءة المبكرة رغم الصعوبات. وأوضح: “الثقافة ليست في الكتب وحدها بل في البيئة المحيطة كلها، ثقافتي بدأت من أحلام مبكرة، ومن حبي للقراءة، وكانت البدايات المسكونة بالخوف والدهشة والرغبة في اقتحام العالم وإصلاحه هي التي صنعت الدافع الذاتي في حياتي”. وأضاف أن قلة الكتب في قريته جعلته يحرص على قراءتها سراً، وكان يخفيها بين أشجار الزيتون للحفاظ عليها، لتصبح القراءة بالنسبة إليه طريقاً مبكراً لاكتساب المعرفة.
جامعة الإسكندرية.. محطة صقلت المنهج العلمي
عن دراسته للدكتوراه في الأدب العربي من جامعة الإسكندرية بمصر، أوضح أنها شكلت منعطفاً مهماً في مشروعه النقدي. وقال: “ذهبت إلى الإسكندرية رأساً متمرداً وغابة دون تشذيب، وهناك تعلمت على يد أساتذة كبار أساليب البحث العلمي وفهم المنهج، إلى جانب الانفتاح على مناخ ثقافي وحضاري استثنائي”. وأشار اللاذقاني إلى أن المدينة بما تحمله من إرث تاريخي وأدبي أسهمت في توسيع أفقه الفكري، عبر الاحتكاك بكبار الأدباء والمفكرين المصريين.
“طواحين الكلام”.. الكلمة مسؤولية
تحدث اللاذقاني عن تجربته الطويلة مع زاويته الصحفية الشهيرة “طواحين الكلام” التي كتبها في أكثر من صحيفة عربية لأكثر من ربع قرن. وقال: “حين كنت ألتقي القراء في شوارع العالم العربي والعالم، وأسمع منهم كيف غيرت إحدى الزوايا مسار حياتهم، أدركت أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون شهرة”. ولفت اللاذقاني إلى أن استمرار الزاوية طوال تلك السنوات يعود إلى قربها من هموم الناس، الأمر الذي أهلها لنيل جائزة أفضل عمود صحفي عربي.
الحداثة العربية.. امتداد للتراث
رفض اللاذقاني حصر جذور الحداثة العربية في التأثيرات الغربية، مؤكداً أن التراث العربي الإسلامي يزخر بنصوص حداثية سبقت عصرها. وقال: “اخترت الجاحظ والحلاج وأبا حيان التوحيدي لإثبات أن الحداثة تقاس بقدرة النص على مقاومة الزمن، لا بتاريخ كتابته”، موضحاً أن كتابه “آباء الحداثة العربية” جاء رداً على ما وصفه بـ “الاستبداد الثقافي”، وحقق انتشاراً واسعاً منذ صدوره.
المرأة.. صانعة المستقبل
أشار اللاذقاني إلى أن كتابه “الأنثى مصباح الكون” كان وفاءً لوالدته التي آمنت بالتعليم رغم الظروف الصعبة. وقال: “المرأة التي أنقذت مستقبلي هي أمي.. باعت الأرض حتى أصل إلى الجامعة، ولذلك كان من الطبيعي أن أرد لها بعض الجميل بهذا الكتاب”.
المنفى.. اختبار للهوية
رأى اللاذقاني أن المنفى ليس مفهوماً جغرافياً بقدر ما هو حالة إنسانية. وقال: “الاغتراب لا علاقة له بالجغرافيا، فقد تكون مغترباً وأنت بين أهلك، أما أنا فكانت سوريا تسكنني وتسافر معي، وكنت أعرف أنني عائد إليها كلما غادرتها”. وأضاف أن سنوات المنفى عمقت شعوره بالانتماء، ورسخت قناعته بقيمة الحرية والديمقراطية.
المثقف والثورة السورية
تناول اللاذقاني دور المثقف خلال الثورة السورية، مؤكداً أنها كشفت حقيقة العديد من المواقف، وأظهرت مسؤولية المثقف في التعاطي مع قضايا مجتمعه. وقال اللاذقاني: إن الثورة السورية كشفت حقيقة مواقف بعض المثقفين الذين كانوا يرفعون شعارات الحرية، لكنهم اختاروا لاحقاً الاصطفاف إلى جانب النظام البائد، مضيفاً أن العمل الميداني والإعلامي خلال تلك المرحلة كان أكثر تأثيراً من الاكتفاء بإنتاج النصوص والكتابات.
سوريا الجديدة.. العدالة أولاً
عن رؤيته لمستقبل سوريا، شدد على أن بناء الدولة يبدأ بإرساء العدالة الانتقالية. وقال: “تطبيق العدالة الانتقالية هو المخرج الأمثل لتجاوز الأحقاد، ولا بد من عدالة حقيقية لا تساوي المجرم بالضحية”، مضيفاً أن ترسيخ دولة المواطنة يتطلب تعزيز قيم الشراكة والانتماء والمسؤولية المجتمعية.
واختتم اللاذقاني حديثه بتوجيه رسالة إلى الشباب والمبدعين، دعاهم فيها إلى التمسك بالأمل والحرية. وقال: “كونوا أحراراً داخل أنفسكم، واحلموا بالأفضل والأجمل، فالأمل هو أفضل نبتة يزرعها الكاتب في نفوس محبيه، وعليكم أن تدركوا دوماً أن المثقف الجبان أخطر على الثقافة من الجاهل، أما المثقف الحقيقي فلا يكون إلا جريئاً وصاحب ضمير يقف مع الفقراء والأبرياء والمظلومين”.
الكاتب في سطور
الدكتور محيي الدين اللاذقاني كاتب وناقد ومفكر وصحفي سوري، حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة الإسكندرية، عمل في الصحافة العربية لعقود، وكتب زاوية “طواحين الكلام” التي تعد من أشهر الأعمدة الصحفية العربية، كما أسس صحيفة “الهدهد الدولية” متعددة اللغات. صدر له عدد من الكتب الفكرية والنقدية والإبداعية، منها: “آباء الحداثة العربية”، و”الأنثى مصباح الكون”، و”نورس بلا بوصلة”، و”في الطريق إلى بيت ولادة”، إلى جانب أعمال مسرحية وأبحاث في الأدب والفكر، ويعد من الأصوات الثقافية التي جمعت بين الإنتاج المعرفي والانخراط في الشأن العام، والدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والحوار.
علوم وتكنلوجيا
ثقافة
تكنولوجيا
اقتصاد