التوقيف الاحتياطي في سوريا: تحوّل خطير يهدد دولة القانون ويقوض الحريات


هذا الخبر بعنوان "عندما يتحول التوقيف إلى عقوبة مسبقة الأداء!" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحذر غزوان قرنفل من أن أحد أخطر المؤشرات التي تعيق الانتقال نحو دولة القانون هو تحوّل التوقيف الاحتياطي. فبدلاً من أن يبقى إجراءً استثنائيًا تحكمه قيود صارمة، أصبح وسيلة سهلة تُستخدم بمجرد تقديم شكوى أو ادعاء شخصي، دون تمحيص جاد للأدلة أو مراعاة للضمانات الدستورية والقانونية. في هذا السياق، يفقد التوقيف دوره كأداة لتحقيق العدالة، ليتحول إلى عبث بالقانون وتعسف في استخدام السلطة العامة، بعيدًا عن الغاية التي وجدت من أجلها.
لقد نصت الفقرة الثانية من المادة “18” من الإعلان الدستوري السوري بوضوح لا يقبل التأويل على مبدأ أساسي: "باستثناء حالة الجرم المشهود، لا يجوز إيقاف أي شخص أو الاحتفاظ به أو تقييد حريته إلا بقرار قضائي". هذا النص يتجاوز كونه قاعدة إجرائية؛ إنه يجسد مبدأً دستوريًا جوهريًا يؤكد أن حرية الإنسان هي الأصل، وأن تقييدها لا يكون إلا في أضيق الحدود، وبشروط محددة، وتحت رقابة القضاء. بالتالي، فالتوقيف ليس إجراءً تلقائيًا يترتب على مجرد الاتهام، وكأنه عقوبة مسبقة لجرم لم يثبت بعد بحق المشكو منه. يجب ألا يمتلك القضاء صلاحية مطلقة في اتخاذ هذا الإجراء، بل ينبغي أن يكون تدبيرًا استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا بتوفر شروط محددة.
من أهم هذه الشروط وجود دلائل جدية على وقوع الجريمة ونسبتها إلى المشتبه به، بالإضافة إلى قيام ضرورة قانونية تبرر حرمانه من حريته، مثل الخشية من فراره، أو تأثيره على الأدلة، أو تهديده للشهود، أو احتمال تكراره للفعل الجرمي. إن التعامل مع الادعاء الشخصي كسبب كافٍ للتوقيف الفوري يهدم قرينة البراءة من أساسها، فالمتهم، وفق أبسط مبادئ العدالة، يُفترض أنه بريء مما نُسب إليه حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم.
بناءً عليه، لا تُعد مجرد الشكوى أو الاتهام دليلًا بحد ذاته، ولا يجوز أن تتحول الخصومة الشخصية إلى وسيلة لسلب الحرية. والأخطر من ذلك هو حرمان الموقوف من حقه في الاستعانة بمحامٍ خلال فترة توقيفه، أو تقييد هذا الحق بما يعطل فعاليته. فحق الدفاع ليس ترفًا قانونيًا، بل هو ركيزة أساسية للمحاكمة العادلة. وبدون تمكين الموقوف من التواصل مع محاميه، تتحول إجراءات التحقيق من تطبيق للقانون إلى ممارسة للسلطة.
إن قيمة القانون الحقيقية لا تكمن في قدرتنا على تطبيقه ضد من نختلف معهم أو نعارضهم، بل في قدرته على حماية حقوق الجميع، بمن فيهم أولئك الذين لا نتفق معهم سياسيًا أو فكريًا. فالضمانات القانونية وُضعت لحماية كل إنسان من تعسف السلطة، بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو المذهبي، وما يعتنقه من أفكار أو يبديه من مواقف، وأيًا كانت التهم الموجهة إليه. لذلك، من المقلق والمستهجن أن نرى بعض "أبناء الثورة" أو "المناصرين للسلطة الجديدة" يبررون هذه الممارسات بحجة أن الموقوف معارض أو ناقد لتلك السلطة، أو صاحب رأي مزعج. هذا المنطق لا يدافع عن العدالة، بل يشرعن استبدادًا جديدًا سيعود ليطال من يصفق له اليوم.
عندما يصبح مجرد الادعاء الشخصي كافيًا لسلب حرية الإنسان، يُفتح الباب أمام كل خصم سياسي، أو صاحب نفوذ، أو صاحب مصلحة، أو حتى شخص حاقد، لتحريك دعوى ضد ناشط أو صحفي أو معارض أو ثائر. يجد هؤلاء أنفسهم موقوفين بالسهولة ذاتها، ودون حماية فعلية لحقوقهم. بهذا، نكون قد استبدلنا حكم القانون بتحكم الأمزجة، والضمانات الدستورية بثقافة الانتقام، والقضاء العادل بإجراءات قد تبدو قانونية في شكلها لكنها تفتقر إلى العدالة في جوهرها.
إن تفكك الدول وانهيارها لا يقتصر على انتهاك القوانين بصورة صريحة فحسب، بل يشمل أيضًا استخدام النصوص القانونية خارج سياقها ومقصدها، وبشكل يناقض روحها وغرضها. فالقانون، الذي وُضع لحماية الحرية وتنظيم ممارستها، يفقد معناه عندما يتحول إلى أداة لتقييدها دون مبرر حقيقي. سوريا اليوم بأمس الحاجة إلى ترسيخ ثقافة قانونية جديدة تؤمن بأن الحرية هي الأصل، وأن التوقيف وحجز الحرية هو الاستثناء. كما تؤمن بأن القضاء ليس وسيلة لتصفية الحسابات أو إسكات الأصوات الناقدة، بل هو مؤسسة لحماية الحقوق وتحقيق العدالة للجميع.
العدالة الحقيقية لا تُقاس بمدى قدرتنا على معاقبة من نختلف معهم، وإنما بمدى التزامنا بضمان حقوقهم كاملة. وعندما ندافع عن حق خصومنا في الحرية والمحاكمة العادلة، فإننا في الحقيقة نحصّن وندافع عن حقنا نحن أيضًا في ألا نكون يومًا ضحايا لسلطة تستسهل خرق القانون أو التجاوز على الحقوق. فالعبث بالقانون هو أقصر الطرق لهدم الثقة بالدولة، وتحويل العدالة من ضمانة للناس إلى مصدر جديد لتكريس ثقافة الخوف.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة