أزمة امتحانات السويداء: مستقبل 13 ألف طالب سوري رهينة الصراع السياسي وفقدان الثقة


هذا الخبر بعنوان "بين السياسة والامتحان.. من يحمي طلاب السويداء؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع تبقي أسبوعين فقط على موعد امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية المقررة في حزيران المقبل، يمر الوقت عادةً بثقل على الطلاب، مثقلًا بالضغط النفسي والمخاوف. لكن هذا الثقل يتضاعف ويتحول إلى إرباك أشد قسوة على طلاب محافظة السويداء. فما زالت قضيتهم عالقة في خضم شد وجذب بين السلطة في دمشق والقوى المحلية المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، في مشهد يتجاوز البعد التعليمي البحت ليكشف حجم التوتر وفقدان الثقة الذي يحكم العلاقة بين السوريين ومؤسساتهم العامة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
للأسف، انزلقت قضية امتحانات طلاب السويداء، كغيرها من القضايا في هذا البلد المنهك، إلى حلبة السياسة والهوية وصراع كسر العظم بين القوى المختلفة. فجأة، لم يعد الحديث يدور حول آلاف الطلاب القلقين على مستقبلهم، بل تحول إلى نقاش حول السيادة والشرعية ومن يفرض شروطه على الآخر، وكأن السوريين أمام معركة سياسية كبرى لا أمام أزمة تعليمية وإنسانية تتطلب حلولًا عملية وسريعة.
بدايةً، لا بد من طرح المشكلة بوضوح، بعيدًا عن الاصطفافات المعتادة. نحن نتحدث عن حوالي 13 ألف طالب وطالبة لهم حق طبيعي وأساسي في متابعة تحصيلهم العلمي وتقديم امتحاناتهم كبقية الطلاب السوريين. في المقابل، هناك حالة حقيقية من انعدام الثقة لدى السلطة المركزية تجاه إمكانية سير العملية الامتحانية بشفافية داخل المحافظة، وهي مخاوف لا يمكن تجاهلها بالكامل في ظل سيطرة القوى المحلية المسلحة على المشهد. كما توجد مخاوف جدية تتعلق بسلامة المراقبين أو الكوادر القادمة من خارج المحافظة، خاصة بعد انتشار تهديدات مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من بعض المسلحين المحليين.
وفي الجهة المقابلة، تبدو المخاوف المتعلقة بإخراج هذا العدد الكبير من الطلاب يوميًا من السويداء إلى دمشق أو ريفها مخاوف واقعية ومنطقية بدورها. تشمل هذه المخاوف صعوبات النقل، وغياب البنية اللوجستية المناسبة، والقلق الطبيعي لدى الأهالي على أبنائهم. وبالتالي، فإن إنكار أي من هذه المخاوف أو التعامل معها بخفة لا يساعد فعليًا على الوصول إلى حل، بل يدفع الجميع نحو مزيد من التصلب والانغلاق.
المشكلة تكمن في أن كل طرف يتمسك عمليًا بنصف الرواية الذي يناسب موقعه السياسي ويتجاهل النصف الآخر بالكامل. فمؤيدو السلطة يركزون على مسألة الشفافية وهيبة الدولة وأمن المراقبين، بينما يركز مؤيدو الهجري أو المعارضون للسلطة بشكل عام على صعوبة نقل الطلاب وغياب الضمانات الكافية لهم. وكأن الاعتراف بمخاوف الطرف المقابل أصبح نوعًا من التراجع أو الهزيمة المعنوية. وهنا تحديدًا تظهر المشكلة الأعمق التي نعيشها اليوم: لم نعد نتعامل مع القضايا بوصفها مشكلات تحتاج إلى حلول، بل بوصفها معارك لإثبات صحة موقف سياسي مسبق.
ما نعيشه اليوم في سوريا يبدو، إلى حد بعيد، توحشًا للسياسة نفسها. فقد أصبحت السياسة قادرة على ابتلاع كل شيء تقريبًا، حتى التفاصيل اليومية البسيطة. وبات السوري عاجزًا عن النظر إلى أي قضية خارج منطق الاصطفاف والانحياز المسبق، فكل موقف يُقرأ فورًا بوصفه إعلان ولاء أو خصومة، وكل نقاش يتحول بسرعة إلى معركة رمزية. حتى الاحتجاجات الطلابية التي خرجت للمطالبة بحقوق واضحة ومباشرة، جرى سريعًا سحبها نحو شعارات وقضايا سياسية أخرى، وكأن المجتمع لم يعد قادرًا على إبقاء أي قضية ضمن حدودها الطبيعية.
ولعل أخطر ما كشفته هذه الأزمة هو غياب العقلية التفاوضية تقريبًا. فلم يظهر ضغط اجتماعي حقيقي باتجاه حل وسط أو ترتيبات مؤقتة وعملية، بل بدا وكأن أي اقتراح جزئي يُعامل فورًا باعتباره انتصارًا لطرف وهزيمة لطرف آخر. وهنا ربما يظهر الدور الذي يفترض أن يلعبه العقلاء والتكنوقراط من الجهتين (أرجو أن يكون لهم وجود)، أي الأشخاص القادرون على الفصل بين الموقف السياسي وبين المشكلة العملية نفسها، وعدم استغلال كل قضية لإعادة تأكيد الاصطفاف السياسي المعتاد.
نحن بحاجة اليوم إلى أشخاص يهتمون فعلًا بمستقبل هؤلاء الطلاب، لا تحويلهم إلى أدوات داخل معركة أكبر منهم. وبحاجة أيضًا إلى قدر من النضج يسمح لنا بفصل القضايا عن بعضها. فإيجاد حل عملي ومؤقت لامتحانات الطلاب لا يعني انتصار السلطة، كما لا يعني انتصار الهجري أو القوى المحلية، بل يعني ببساطة أن المجتمع لا يزال قادرًا على حماية بعض تفاصيل حياته اليومية من الانهيار الكامل تحت ثقل الصراع السياسي.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية الدولة أساسية أيضًا. فطلاب السويداء، مهما كانت مواقف بعض القوى المحلية أو بعض الخطابات السياسية داخل المحافظة، يبقون في النهاية طلابًا سوريين. ومن واجب الدولة، بوصفها المعبرة عن الأب الرمزي، أن تبحث عن الطرق الممكنة لحمايتهم وضمان تعليمهم. وإذا كانت الدولة قد فشلت حتى الآن في احتواء المحافظة وإعادة بناء علاقتها الطبيعية معها، وهو تأخر قد يراه البعض مفهومًا بسبب حساسية الوضع وتعقيداته، فإن تحول هذا الفشل السياسي إلى خطر يهدد مستقبل آلاف الطلاب سيكون فشلًا إضافيًا لا يمكن التعامل معه بخفة.
فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض السيطرة، بل أيضًا بقدرتها على حماية الحياة اليومية للناس. وربما تكون القدرة على حماية التعليم ومستقبل الطلاب، في هذه المرحلة الحساسة تحديدًا، واحدة من أهم وظائف الدولة ومعايير وجودها أصلًا.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة