النمسا تستعد لمحاكمة ضابطين سابقين من النظام السوري بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الرقة


هذا الخبر بعنوان "القضاء النمساوي يستعد لبدء محاكمة ضابطين من النظام البائد لارتكابهما جرائم حرب في الرقة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستعد السلطات القضائية في العاصمة النمساوية فيينا لبدء محاكمة ضابطين سابقين كانا يعملان ضمن أجهزة مخابرات النظام البائد. من المقرر أن تنطلق المحاكمة أمام محكمة “لاندس كريشت” مطلع شهر حزيران المقبل، وتتعلق التهم الموجهة إليهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق مدنيين في محافظة الرقة خلال السنوات الأولى من الثورة في سوريا.
يواجه المتهم الأول، خالد الحلبي، وهو لواء سابق في جهاز أمن الدولة السوري ورئيس فرع أمن الدولة في الرقة بين عامي 2009 و2013، اتهامات بالإشراف على عمليات تعذيب وانتهاكات جسيمة طالت محتجزين داخل الفرع الأمني في الرقة. أما المتهم الثاني في القضية فهو مصعب أبو ركبة، وهو مقدم سابق شغل منصب نائب رئيس فرع الأمن السياسي في الرقة، وتدور التهم الموجهة إليه حول تورطه في انتهاكات وجرائم بحق مدنيين ومعتقلين خلال فترة عمله في المحافظة.
في سياق التحضيرات الإجرائية لهذه المحاكمة، برزت شهادة محمد جمال عرابي، ابن مدينة حلب، الذي كان من الداعمين السريين للثورة السورية منذ بدايتها عام 2011. ساهم عرابي في تقديم الدعم الطبي واللوجستي والمادي بالتنسيق مع اتحاد الأطباء العرب والصيادلة في النمسا، وكان عضواً في إحدى التنسيقيات الداعمة للثورة.
في الخامس عشر من كانون الأول عام 2012، اعتقلته قوات النظام في حلب بتهمة “تقديم دعم طبي ولوجستي للثورة من الخارج”، ليتم نقله لاحقاً إلى فرع فلسطين، حيث تعرض للتعذيب والانتهاكات داخل المعتقل. بعد عدة أشهر، أُفرج عن عرابي بكفالة مالية من سجن عدرا في السادس من حزيران عام 2013.
بعد الإفراج عنه، عاد عرابي إلى النمسا، حيث استقبلته السلطات النمساوية ومنظمات حقوق الإنسان التي كانت تتابع قضيته كونه يحمل الجنسية النمساوية. بعد فترة قصيرة من وصوله، تواصلت معه الجهات المختصة لمتابعة ملفه القانوني. وبالتنسيق مع نقابة المحامين النمساوية وعدد من المنظمات الحقوقية، من بينها منظمة شيري، تمكن عرابي من رفع دعوى قضائية غيابية ضد نظام الأسد وعدد من ضباطه أمام المحاكم النمساوية.
في تصريح خاص لـ سانا، أفاد عرابي أنه بعد سقوط النظام في الـ 8 من كانون الأول عام 2024، تم استدعاؤه مجدداً لاستكمال إجراءات القضية. وأشار إلى أن المحكمة النمساوية تستعد لإصدار مذكرة توقيف عبر الإنتربول بحق مسؤولين متورطين في جرائم التعذيب وجرائم الحرب. وأضاف عرابي: “في السادس من أيار الجاري، أدليت بشهادتي ضمن جلسات الاستماع المتعلقة بالقضية أمام النيابة العامة في فيينا”. وأوضح أن الدعوى القضائية كانت قد توقفت منذ نحو ثلاث سنوات، إلا أن المنظمة الحقوقية “شيري” تقدمت، عقب سقوط النظام البائد، بطعن قانوني لإعادة فتح ملفات القضية، ما أدى إلى استئناف الإجراءات القضائية واستكمال التحقيقات.
وأوضح عرابي أن النيابة العامة عادت للاستماع إلى الشهود بحضور منظمات حقوقية، وفي مقدمتها منظمة “شيري” ممثلة بعدة حقوقيين ومحامين دوليين، كانت على رأسهم المحاميتان ريم الكسيري وتاتيانا فييتك. وأشار إلى أنه بعد تقديم شهادته في الأول من أيار الجاري، تقرر الانتقال إلى مرحلة محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في شهر حزيران المقبل.
وأكد عرابي أن “هذه التطورات في القضية جاءت بعد سقوط النظام البائد، في خطوة تهدف إلى تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا”، مشدداً على أن فريق العمل القانوني والحقوقي يواصل متابعة القضية في مختلف مراحلها. وأشار إلى أن عدداً من الشهود السوريين أدلوا بإفاداتهم أمام القضاء النمساوي بشأن الانتهاكات المنسوبة إلى الضابطين السابقين.
من جانبها، صرحت المحامية السورية ريم الكسيري، التي تتابع الملف بالتعاون مع منظمة حقوقية، لـ سانا، بأن “جلسات الاستماع إلى الشهود بدأت في السابع من أيار”، مؤكدة أن النيابة العامة في فيينا استمعت إلى شهادة محمد جمال عرابي في إطار التحقيقات الجارية. وأوضحت الكسيري أن النيابة العامة قررت متابعة التحقيق استناداً إلى وجود اختصاص قضائي بالنظر في القضية، فيما جرى التعامل مع بقية الشهود وفق مبدأ الحماية وبالتعاون مع منظمة “شيري”.
وأكد المركز أن محاكمة المتورطين في جرائم الحرب ستبدأ بعد انتهاء جلسات الاستماع إلى الشهود مطلع شهر حزيران المقبل. وأضافت الكسيري أن “المحاكم الأوروبية، ومنها النمساوية، بدأت منذ عام 2016 بتلقي شكاوى تتعلق بجرائم دولية ارتكبت في سوريا، استناداً إلى مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، وهو مبدأ يسمح للدول بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإبادة الجماعية، بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية الضحايا والجناة”.
وأفادت الكسيري أن النمسا أدخلت هذا المبدأ ضمن تشريعاتها عبر المادة 64 من قانون العقوبات النمساوي، إضافة إلى التزاماتها باتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب. وأشارت إلى أن بعض الجرائم تعتبر جرائم دولية تمس المجتمع الدولي بأكمله، ومن بينها جرائم الحرب المتعلقة بنظام الأسد البائد، لما قام به من انتهاكات بحق الشعب السوري خلال سنوات الثورة الأربعة عشر، ولذلك يحق لأي دولة ملاحقة مرتكبيها قضائياً حتى لو ارتكبت خارج أراضيها.
وبينت الكسيري أن فيينا أصبحت إحدى الساحات القضائية التي يحاول فيها ضحايا وشهود سوريون تفعيل مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، حيث يتيح القانون النمساوي للنيابة العامة التحقيق في جرائم الحرب والتعذيب المرتكبة خارج البلاد إذا كانت ترقى إلى جرائم دولية منصوص عليها في القانون الدولي. وأوضحت أن مسار الدعاوى يبدأ بتقديم شكاوى من قبل ضحايا وشهود بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني سورية ومركز “شيري” لإنفاذ القانون الدولي، قبل أن تقرر النيابة العامة فتح التحقيقات في حال وجود شبهات كافية وجدوى قانونية للملاحقة.
وأضافت أن النيابة العامة في فيينا فتحت ملفين منفصلين، الأول يتعلق بانتهاكات جسيمة ارتكبت بحق مواطن نمساوي ومواطنين سوريين مقيمين في فيينا على الأراضي السورية بين عامي 2012 و2013. وأشارت الكسيري إلى أن منظمة “شيري” عملت لسنوات على الدفاع عن تفسير قانوني لهذا المبدأ بما يتوافق مع القانون الدولي، وهو تفسير تم قبوله وتأكيده بمرسوم من وزير العدل النمساوي، وجرى تطبيقه في قضايا تتعلق بجرائم حرب روسية في أوكرانيا، إلا أنه لم يُعتمد بالطريقة نفسها في القضايا السورية.
وأكدت أن الهدف الحالي يتمثل في طلب إعادة فتح التحقيق ومتابعة المسار القانوني لضمان فحص مسؤولية جميع الأطراف ذات الصلة وفقاً للقانون النمساوي والقانون الدولي، مشيرة إلى توقعات بإصدار أوامر اعتقال قريباً بحق متورطين في الجرائم المرتكبة في القضية السورية وبحق سوريين. وفيما يتعلق بخالد الحلبي، ذكرت الكسيري أنه فرّ من سوريا عام 2013 ووصل إلى فرنسا حيث تقدم بطلب لجوء رُفض لاحقاً، قبل نقله إلى فيينا عام 2015 ضمن عملية عرفت باسم “الحليب الأبيض”، ليحصل لاحقاً على اللجوء السياسي في النمسا.
وأكدت أن المحاكمة المرتقبة بحق الحلبي ومصعب أبو ركبة تتعلق مباشرة بالجرائم والانتهاكات المرتكبة في سوريا، ومن المقرر أن تبدأ مطلع الشهر المقبل. وختمت الكسيري بالقول: إن الهدف من تطبيق مبدأ الاختصاص القضائي العالمي هو منع الإفلات من العقاب، والتأكيد على أنه “لا يوجد مكان آمن لمرتكبي جرائم الحرب والتعذيب، وأنهم سيبقون عرضة للملاحقة في أي دولة تحترم القانون الدولي. كما يعمل المركز الدولي لتطبيق حقوق الإنسان (CEHRI)، وهو منظمة غير ربحية تأسست عام 2014 وتتخذ من فيينا مقراً لها، على دعم الناجين السوريين في سعيهم لتحقيق العدالة، من خلال الجمع بين العمل القانوني والأكاديمي والعلاجي، وتعزيز تطبيق حقوق الإنسان في النمسا وأوروبا وخارجها.
وأكدت منظمات حقوقية ومحامون متابعون للقضية استمرار جهودهم القانونية من أجل تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا، وكل من تورط في قتل السوريين وتهجيرهم وتشريدهم خلال سنوات الثورة، مشددين على أن مبدأ الاختصاص القضائي العالمي يشكل أداة قانونية مهمة لمنع الإفلات من العقاب، وضمان إنصاف الضحايا وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة أينما وجدوا.
سياسة
سياسة
سياسة
ثقافة