متحف معرة النعمان: صمود في وجه الدمار وجهود لإعادة إحياء ثاني أكبر متحف فسيفسائي بالشرق الأوسط


هذا الخبر بعنوان "متحف معرة النعمان.. ثاني أكبر متحف فسيفسائي في الشرق الأوسط يستعيد ذاكرة سوريا" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة معرة النعمان بريف إدلب جهوداً حثيثة من قبل دائرة الآثار لإعادة تأهيل وترميم متحف المدينة، الذي يُصنف كواحد من أبرز المتاحف الفسيفسائية في الشرق الأوسط، حيث يحتل المرتبة الثانية من حيث الحجم، ويُعد الأكبر في سوريا من حيث احتضانه للوحات الفسيفساء. تأتي هذه الجهود في أعقاب تعرض المتحف لأضرار جسيمة خلال سنوات الثورة، شملت القصف والتخريب، ما أدى إلى تدمير أجزاء منه وفقدان عدد من لوحاته النادرة.
على الرغم من التحديات الراهنة، بدأ المتحف يستقبل بشكل شبه يومي وفوداً رسمية وزواراً من داخل سوريا وخارجها، الأمر الذي يؤكد مكانته الرمزية العميقة لدى السوريين ويعكس اهتمامهم البالغ باستعادة ذاكرتهم الثقافية الغنية.
وفي هذا السياق، صرح عبد السلام الحمو، رئيس دائرة الآثار في معرة النعمان، لمراسل سانا، بأن تاريخ المتحف يعود إلى العهد العثماني، حين أمر والي دمشق آنذاك، مراد باشا، ببناء الخان. تميز هذا الخان بتصميم معماري متكامل، حيث كان يضم أماكن لإقامة النزلاء، وحمامات، وتكية، واسطبلات، بالإضافة إلى مساحته الشاسعة التي تُقدر بنحو سبعة دونمات، مما جعله واحداً من أبرز المعالم المعمارية في المنطقة. وأضاف الحمو أن وزارة الثقافة، بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، قامت لاحقاً بتأهيل المبنى وترميمه ليتحول إلى متحف.
وأشار الحمو إلى الشهرة التي اكتسبها المتحف بفضل احتضانه لوحات الفسيفساء التي جُلبت من منطقة معرة النعمان ومختلف المدن السورية. كما أوضح أن محافظة إدلب تزخر بنحو 750 موقعاً أثرياً، مما يجعلها من أغنى المحافظات السورية بالمواقع التاريخية، ويبرز متحف معرة النعمان كأحد أهم هذه المعالم الأثرية.
وكشف الحمو أن هذه المواقع الأثرية، بما فيها المتحف، تعرضت خلال سنوات الثورة لأضرار وانتهاكات متفاوتة، مما خلق تحديات جسيمة أمام الجهات المعنية بحمايتها. تعود هذه الأضرار إلى قصف النظام البائد، وعمليات الحفر العشوائي التي قام بها بعض ضعاف النفوس، بالإضافة إلى الزحف العمراني وتحويل بعض المواقع إلى مخيمات للنازحين.
وأوضح الحمو أن المتحف تعرض لقصف متكرر بالصواريخ والبراميل المتفجرة، ما أسفر عن أضرار جسيمة في بنيته الإنشائية، بما في ذلك تدمير أجزاء من الأروقة وتضرر عدد من لوحات الفسيفساء جراء الشظايا. وأشار إلى أن العمل جارٍ حالياً بجهود ذاتية وإمكانيات بسيطة للحفاظ على المقتنيات المتبقية وإعادة تأهيل الأقسام المتضررة، وذلك من خلال تشكيل فريق آثار إدلب، الذي تتركز مهمته على حماية المواقع الأثرية وتنظيم حملات توعية للأهالي وطلاب المدارس حول أهمية الآثار.
من جانبه، أكد منصور زعتور، رئيس شعبة المباني الأثرية في دائرة الآثار، في تصريح مماثل، أن الأولوية الحالية تتركز على تثبيت الأجزاء المعرضة للانهيار وتوثيق الأضرار، وذلك تمهيداً لأي عملية ترميم شاملة في المستقبل. وشدد زعتور على أن لوحات الفسيفساء المعروضة في المتحف تجسد مستوى رفيعاً من الفن السوري القديم.
وأضاف زعتور أن المتحف يُعد الأول في منطقة بلاد الشام والثاني في الشرق الأوسط، بعد متحف "زوغما" في تركيا، من حيث احتضانه للوحات الفسيفساء، حيث يضم نحو 1300 متر مربع منها. ومن أشهر هذه اللوحات في الشرق الأوسط لوحة "ولادة هرقل"، التي اكتُشفت في تسعينيات القرن الماضي بحي الأربعين في حمص، ونُقلت إلى المتحف. تُعرف هذه اللوحة بجمالها وتفردها، ويعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني الميلادي.
ولفت زعتور إلى أن المتحف استقبل، منذ تحرير سوريا وإعادة تفعيل دائرة آثار معرة النعمان، أكثر من مئة وفد سياحي محلي وأجنبي. شملت هذه الوفود ممثلين عن فعاليات المجتمع المحلي وزواراً من مختلف المحافظات السورية، بالإضافة إلى وفود من دول أجنبية.
وأوضح أن زوار المتحف ينقسمون إلى فئتين رئيسيتين: الأولى تضم الزوار الذين يرتادون المتحف للمرة الأولى، حيث يعبرون عن دهشتهم وإعجابهم، خصوصاً بلوحات الفسيفساء، مع إبداء رغبة كبيرة في استكشاف تاريخها. أما الفئة الثانية، فتضم المهتمين بالآثار الذين يمتلكون خلفية معرفية وثقافية، ويقصدون المتحف للاستمتاع بقيمته التاريخية والفنية العميقة.
ودعا منصور الجهات المعنية إلى تكثيف جهودها للمساهمة في ترميم وتدعيم المواقع والمتاحف الأثرية، والعمل على تنشيط الحركة السياحية. وأكد أن المتاحف والمواقع الأثرية تمثل الواجهة الثقافية والحضارية لسوريا، وأن التاريخ يشكل مرآة تعكس هوية الشعوب وحضارتها. كما شدد على أن حماية الآثار تعد مسؤولية جماعية تتطلب تعاون المواطنين ومختلف الجهات المعنية للحفاظ على هذا الإرث التاريخي الثمين.
من جانبها، أعربت المواطنة ياسمين شحادة، زائرة من مدينة حلب، عن دهشتها من حجم الدمار الذي لحق بالمتحف خلال زيارتها الأولى. ومع ذلك، شعرت بالفخر لرؤية اللوحات التي تعود لآلاف السنين رغم كل الظروف، وأبدت إعجابها الشديد بجمال المتحف، وخاصة لوحاته الفسيفسائية، متمنية أن يزور جميع السوريين المتحف للتعرف على هويته وتاريخه العريق الذي يدعو للفخر.
بدوره، رأى المواطن غزوان عساف، المقيم في ألمانيا والذي يزور المتحف للمرة الأولى، أن ما شاهده في المتحف يلخص قصة سوريا بين الحضارة والخراب. واعتبر أن زيارة المكان ودعمه، حتى بمجرد الوجود، تبعث برسالة مفادها أن السوريين لم ينسوا تاريخهم ولن يسمحوا له بالاندثار. وأعرب عساف عن دهشته باللوحات التي تحمل معاني عميقة، خاصة لوحة الطاووس التي تجسد بصمة الحياة، مشدداً على ضرورة اهتمام الجهات المعنية بإعادة صيانة وترميم المتحف بما يليق به، والتركيز بشكل أكبر على الإنارة والأرضيات.
يُذكر أن بناء خان مراد باشا يعود إلى القرن السادس عشر، وقد جرى تحويله لاحقاً إلى متحف يضم مجموعات فسيفسائية تعود للعصرين الروماني والبيزنطي. وقبل الحرب، صُنّف هذا الخان كواحد من أبرز المعالم الأثرية في شمال سوريا، قبل أن يتعرض لأضرار جسيمة نتيجة قصف النظام البائد خلال سنوات الثورة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة