زيادة الرواتب في سوريا: جدل التضخم وتحديات التعافي الاقتصادي


هذا الخبر بعنوان "زيادة الرواتب وجشع الأسواق.. هل يلتهم التضخم ما في الجيوب؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع صدور قرارات زيادة الرواتب والأجور والزيادات النوعية الأخيرة، عاد الجدل الاقتصادي مجدداً في الأوساط السورية. هل تمثل هذه الخطوة بداية لتحسين الواقع المعيشي للمواطنين، أم أنها ستتحول إلى موجة تضخم جديدة ترفع الأسعار وتستهلك الزيادة سريعاً؟
في قراءة اقتصادية واقعية، يؤكد الدكتور خليل حمدان، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب، أن النظر إلى الصورة كاملة ضرورة بعيداً عن المبالغة أو الأحكام السريعة. ويشير إلى أن الاقتصاد السوري ما يزال يعيش مرحلة تعافٍ هش بعد سنوات طويلة من التراجع والانكماش. هذا يعني أن تحريك القدرة الشرائية قد يساهم جزئياً في إعادة تنشيط الأسواق والدورة الاقتصادية، ولكن بشرط أن يترافق مع سياسات إنتاجية حقيقية.
يشدد الدكتور حمدان على أن أي زيادة في الأجور في أي دولة ترتبط مباشرة بسؤال أساسي: من أين سيتم تمويل هذه الزيادة؟ فإذا كانت ممولة من زيادة الإنتاج، أو تحسن الإيرادات العامة، أو مكافحة الهدر والفساد، أو إعادة ترتيب الإنفاق العام، أو تنشيط الاقتصاد والاستثمار، فإن أثرها التضخمي يكون أقل نسبياً. أما إذا تم تمويلها عبر التوسع النقدي وضخ كتل نقدية جديدة دون زيادة حقيقية في الإنتاج والخدمات، فإن خطر التضخم يرتفع، لأن كمية الأموال تصبح أكبر من كمية السلع والخدمات المتاحة.
يرى الخبير أن احتمال ذهاب كتلة الزيادات إلى الاكتناز والمضاربة مبالغ فيه جزئياً في الحالة السورية الحالية. فالرواتب أساساً تعاني من ضعف شديد مقارنة بتكاليف المعيشة، لذلك فإن الجزء الأكبر من الزيادة سيذهب غالباً إلى الغذاء والدواء والنقل والتعليم وتسديد الديون والاحتياجات المؤجلة منذ سنوات. أي أننا أمام محاولة لتعويض جزء من التآكل الكبير في القوة الشرائية، وليس أمام طفرة استهلاكية ضخمة. لكنه يحذر، بالمقابل، من بقاء خطر نفسي وسلوكي داخل السوق، حيث قام بعض التجار برفع الأسعار فور الإعلان عن أي زيادة حتى قبل دخولها فعلياً إلى جيوب الناس.
يرى أستاذ إدارة الأعمال أن جزءاً كبيراً من التضخم الحالي في سورية مرتبط بالاحتكار، وضعف المنافسة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والمضاربة، وتقلبات سعر الصرف، وغياب الرقابة الفعالة أحياناً. ويضيف أن أي زيادة في الطلب لا يقابلها توسع حقيقي في الإنتاج المحلي ستتحول تدريجياً إلى ضغط إضافي على الاستيراد وسعر الصرف والأسعار الداخلية، خاصة في اقتصاد يعتمد على جزء كبير من السلع والمواد المستوردة. لذلك، فإن معالجة التضخم، برأيه، لا تكون فقط عبر تقليل السيولة، بل عبر إصلاح البيئة الاقتصادية والإنتاجية نفسها.
في الاقتصادات الطبيعية، تقوم المصارف بامتصاص جزء من السيولة عبر الودائع والأدوات الادخارية والاستثمار والتمويل المنظم، ثم تعيد توجيه هذه الأموال نحو الإنتاج والمشاريع. أما في الحالة السورية، فيؤكد حمدان أن الدور المصرفي الفعال ما يزال محدوداً جداً، بينما تتحرك نسبة كبيرة من الأموال خارج الدورة المصرفية، ما يجعل أي ضخ نقدي أكثر حساسية وأسرع انتقالاً إلى الأسواق أو المضاربة أو الدولار أو الذهب. ويشير إلى أن مصرف سورية المركزي يبقى اليوم الجهة النقدية الأكثر تأثيراً في إدارة السيولة والاستقرار النقدي، في ظل محدودية الدور التمويلي والاستثماري للمصارف الأخرى مقارنة بحجم التحديات الاقتصادية الحالية.
يحذر الأكاديمي من أن أي زيادة تركز على شريحة محددة دون معالجة أوضاع بقية الشرائح قد تولد شعوراً بعدم العدالة واختلالاً في السوق وضغطاً اجتماعياً إضافياً. فهناك شرائح واسعة لم تستفد بشكل مباشر من الزيادات الأخيرة، مثل العمال اليوميين، والمتقاعدين محدودي الدخل، وبعض موظفي القطاع الخاص، والعاطلين عن العمل، وأصحاب الدخل غير الثابت. بل إن بعض الموظفين أنفسهم لم تشملهم الزيادات النوعية بالشكل الكافي، ما قد يخلق فجوات جديدة داخل القطاع الوظيفي نفسه. وهنا تصبح المشكلة أكثر تعقيداً: الأسعار سترتفع على الجميع، لكن الزيادة لم تصل إلى الجميع بالدرجة نفسها.
المطلوب اليوم، برأي حمدان، ليس فقط زيادة الرواتب، بل إدارة اقتصادية متكاملة تشمل ضبط الأسواق ومنع الاستغلال، ودعم الإنتاج المحلي الصناعي والزراعي، وتخفيض تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل، وإعادة تنشيط الحركة التمويلية والاستثمارية، وتعزيز الثقة بالليرة السورية، ومراقبة المضاربة على الدولار، وتوسيع الحماية الاجتماعية للفئات غير المشمولة، وإعادة دراسة هيكل الأجور بشكل أكثر عدالة وتوازناً، وربط أي زيادات مستقبلية بالإنتاجية والنمو الاقتصادي الحقيقي.
ويختتم الدكتور خليل حمدان قراءته بالتأكيد على أن زيادة الرواتب خطوة مهمة وضرورية في ظل التآكل الكبير للقوة الشرائية، لكنها وحدها لا تكفي. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الزيادة، بل بقدرة الاقتصاد على حماية الزيادة من التآكل، وضبط الأسعار، وتحويل السيولة الجديدة إلى إنتاج ونشاط اقتصادي حقيقي. لأن الخطر الحقيقي، برأيه، ليس في زيادة الرواتب بحد ذاتها، بل في أن تتحول الزيادة إلى دورة تضخم جديدة تستهلك المواطن مرة أخرى إذا لم ينجح الاقتصاد في تحويل السيولة إلى إنتاج حقيقي ونمو مستدام. (أخبار سوريا الوطن-الوطن السورية)
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد