قانون الجمارك السوري الجديد: إعادة هيكلة الرسوم وتوزيع الأعباء الاقتصادية وتأثيره على الأسعار


هذا الخبر بعنوان "الجمارك السورية.. رفع الرسوم وإعادة توزيع الأعباء" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصدرت سوريا قانون الجمارك الجديد، الذي يضم 264 مادة، وذلك بعد عام من رفع العقوبات الأميركية عن البلاد وتبني السلطات الانتقالية لسياسة السوق الحر. تثير هذه الخطوة تساؤلات حول مدى فائدتها للسوريين ونجاحها في إعادة حوكمة العمل الجمركي، خاصة في ظل واقع اقتصادي هش وقدرة شرائية متهاكلة.
تهدف تسعيرة الجمارك الجديدة إلى تعزيز الإيرادات العامة للدولة، وتسعى لإعادة توزيع العبء الجمركي بما يتناسب مع طبيعة الاستهلاك، من وجهة نظر الخبراء. كما تعكس هذه التعديلات، من وجهة نظر أخرى، جاهزية سوريا للدخول في دورة التجارة العالمية والاندماج الاقتصادي.
يرى الخبير الاقتصادي إبراهيم نافع قوشجي أن التعديلات الأخيرة في التعرفة الجمركية تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة ترتيب أولويات السياسة التجارية. فقد خُفّضت رسوم السلع الأساسية والغذائية بهدف الحدّ من الضغوط التضخمية، في المقابل رُفعت رسوم السلع الكمالية وشبه الكمالية لتعزيز الإيرادات العامة. ويشير قوشجي إلى أن هذا التوجه يمثل محاولة لإعادة توزيع العبء الجمركي بما يتناسب مع طبيعة الاستهلاك ومستوى الضرورة الاقتصادية لكل سلعة، وذلك في ظل بيئة اقتصادية تعاني من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
من جانبها، ترى الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية في درعا، أن قانون الجمارك يتطلب إعادة تقييم هيكل الاقتصاد الوطني بالكامل وفق حسابات دقيقة ومدروسة. يبدأ ذلك بحماية الصناعة المحلية، مروراً بإدارة الاستيراد، وصولاً إلى ضبط القطع الأجنبي. وتعتقد الشياح أن تأخر صدور القانون في الفترة الماضية يعكس رغبة حكومية في الوصول إلى صيغة توازن بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي من جهة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي والأسعار والإنتاج المحلي من جهة أخرى، تجنباً لأي انعكاسات مباشرة على الأسعار. وتضيف أن القانون الجديد يمنح الشركات الدولية قدرة أكبر على التعامل مع السوق المحلية، ضمن قواعد مفهومة ومعترف بها عالمياً، مما ينقل الجمارك من قانون تقني إلى صورة الدولة الاقتصادية أمام العالم.
شملت التعريفة الجمركية الجديدة لعام 2026 نحو 21 قسماً، موزعة ضمن 99 فصلاً لفئات السلع ورسوم استيرادها. فبينما سجلت مواد غذائية أساسية مثل السكر، الزيوت، الأرز، والحليب المجفف، انخفاضاً في رسومها، شهدت سلع أخرى كالقهوة، الشوكولا، المكسرات، العسل، اللحوم المجمدة، الزبدة، والبيض، قفزات مرتفعة في الرسوم الجمركية المطبقة عليها.
يؤكد قوشجي أن تخفيض رسوم السلع الأساسية لا يعكس انخفاضاً حقيقياً في الأسعار النهائية للمستهلك، نظراً لارتفاع تكاليف النقل وضعف المنافسة المحلية، إلا أنه قد يسهم في إبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار، ويمنح المستهلك متنفساً في سلة الغذاء الأساسية. ومع ذلك، ينوه قوشجي إلى أن ارتفاع رسوم السلع الكمالية سيضغط على الدخل اليومي للمواطنين ويقلص هامش الرفاه الغذائي لديهم، مما يُبقي المستهلك في حالة ضغط مستمر، ويحول دون الاستفادة الكاملة من تلك التخفيضات الجمركية، في حال لم تترافق مع إصلاحات أوسع تشمل سوق العمل والدخل الشهري.
يتوقع قوشجي أن ترتفع التكلفة النهائية للبناء. فبينما يدعم تخفيض رسوم المواد الأولية للبناء، مثل الكلينكر والبليت، الصناعة المحلية ويقلل تكاليف إنتاجها، فإن ارتفاع رسوم المواد الجاهزة كالحديد، السيراميك، الدهانات، والزجاج، سيتسبب في رفع التكلفة النهائية للبناء. ويعود ذلك إلى أن المواد المشمولة بالرفع الجمركي تدخل في قطاع البناء بشكل مباشر، مما يؤثر سلباً على أسعار العقارات، وقدرة السوق على الترميم وإعادة الإعمار. وبالرغم من أن بعض الصناعات ستستفيد من تخفيض الرسوم على المواد الأولية، خصوصاً مصانع الحديد والإسمنت، إلا أن قوشجي يحذر من خطورة ارتفاع التكاليف التشغيلية لصناعات أخرى مثل الألمنيوم والزجاج والأنابيب البلاستيكية والأدوات الصحية، الأمر الذي يعكس غياب رؤية صناعية متكاملة، ويجعل أثر التعديلات متفاوتاً بين قطاع وآخر.
ترى الشياح أن نجاح قانون الجمارك لا يُقاس بحجم الأموال التي يجمعها وحسب، بل بقدرته على حماية الاقتصاد الوطني، وضبط السوق، ودعم الصناعة، والحفاظ على الاستقرار المعيشي للمواطنين. وتضيف أن حماية المنتج المحلي تكون عبر دعم الصناعات القادرة على التطور والمنافسة، وتربط الإعفاءات والحوافز بتحسين الجودة وزيادة الإنتاج والتصدير.
أكبر تحدي أمام قانون الجمارك الجديد هو النجاح في مكافحة الفساد والتهرب الجمركي، وعلاج ضعف الرقابة وتعدد الاستثناءات، وفقاً للشياح. وتشير إلى أن التحول نحو التخليص الإلكتروني وتبسيط الإجراءات، يمكن أن يقلل من الفساد ويزيد الإيرادات دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
يخلص قوشجي إلى أن هذه التعديلات الجمركية ستؤدي إلى تغيير في بنية التضخم لا في شكله العام، إذ سيتباطأ تضخم الغذاء الأساسي، مقابل ارتفاع أسعار الكماليات والبروتينات ومواد البناء. ويحذر من بقاء التضخم الهيكلي، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وثبات الأجور، فضلاً عن الأثر المتفاوت للتعريفة على القطاع الصناعي.
يجمع الخبراء على أن تعديل التعريفة الجمركية السورية خطوة مهمة لإعادة هيكلة السياسة الاقتصادية والتجارية، لكنه لا يعني عودة فورية للتجارة العالمية. فالتحديات قائمة، منها ما يتعلق بالتحويلات المصرفية والشحن والتأمين وتذبذب أسعار الصرف، ومنها ما يرتبط ببنية إلكترونية متطورة، كتطبيق نظام الرموز الجمركية الموحدة، والذي يتطلب إدارة البيانات الجمركية وربطها بالمرافئ والمصارف وشركات الشحن، في وقت لا تزال فيه بعض المؤسسات تعمل بآليات تقليدية وبيروقراطية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد