انتهاك الدستور في سوريا: كيف يقوض إدمان السلطة على التجاوز فرصة بناء الدولة والمؤسسات


هذا الخبر بعنوان "وطء الدستور يقوّض فرصة بناء الدولة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب غزوان قرنفل أن التحدي الأخطر الذي يواجه أي دولة خارجة من ويلات الحرب والانهيار لا يقتصر على ضعف الاقتصاد أو هشاشة الأمن، بل يتعداه إلى انهيار مفهوم القانون ذاته. فالدولة لا تُبنى بالقوة المجردة أو الشعارات الرنانة، وإنما باحترام القواعد المنظمة لعمل السلطة والضوابط التي تقيدها في ممارسة وظيفتها العامة.
لكن حين تصبح السلطة نفسها أول من ينتهك النصوص التي وضعتها وصاغتها بيديها، فإن أي حديث عن بناء مؤسسات راسخة أو تأسيس حياة سياسية مستقرة يتحول إلى مجرد وهم. وهذا هو الواقع الذي تشهده سوريا حاليًا، حيث أدمنت السلطة انتهاك الإعلان الدستوري الذي صاغته أساسًا ليناسب مصالحها، ومع ذلك لم تلتزم حتى بحدوده الدنيا. فبدلاً من التعامل مع الإعلان الدستوري كعقد ناظم لعمل السلطة الانتقالية، يُنظر إليه كوثيقة شكلية يمكن تجاوزها كلما تعارضت نصوصها مع رغبات السلطة التنفيذية أو مصالحها المباشرة.
أحدث الأمثلة على هذا التجاوز هو إصدار الرئيس قانون الجمارك الجديد، على الرغم من أن صلاحية إصدار القوانين ليست من اختصاصه وفق الإعلان الدستوري، بل هي من مهام مجلس الشعب. والمفارقة لا تكمن فقط في تجاوز الصلاحيات، بل في أن مجلس الشعب نفسه لم يكتمل تشكيله بعد، رغم مرور سنة ونصف على نشوء السلطة الانتقالية، ورغم أنه معين بالكامل وليس منتخبًا. هذا المشهد يكشف عن سلطة تنفيذية تتجاوز سلطة تشريعية غائبة أصلاً، وتمارس صلاحيات تتعدى نصوص الإعلان الدستوري، مما يظهر حجم الاستخفاف بفكرة الفصل بين السلطات وتقييد سلطة الحاكم.
الأخطر من ذلك أن هذه المسألة لم تعد حدثًا منفردًا أو استثناءً عابرًا، بل تحولت إلى نمط حكم وإدارة. فقد أصدر الرئيس حتى الآن أكثر من 120 مرسومًا، مع أن صلاحياته وفق الإعلان الدستوري لا تمنحه الحق في إصدار المراسيم. ومع كل مرسوم جديد، يجري تكريس عُرف سياسي خطير يقوم على احتكار السلطة التنفيذية لكل السلطات الأخرى، وتحويل النصوص الدستورية إلى مجرد ديكور بلا قيمة عملية.
قد يظن البعض أن هذه التجاوزات هي مسألة تقنية أو قانونية تهم النخب السياسية والحقوقيين فقط، لكنها في الحقيقة تمس جوهر مستقبل الدولة السورية. فالدولة التي يبدأ تأسيسها على انتهاك قواعدها الدستورية، ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام منظومة حكم لا تعترف بأي قيد قانوني. وحين تصبح مخالفة الدستور أمرًا اعتياديًا في قمة السلطة، فلن يكون من المنطقي مطالبة الموظف الصغير أو الشرطي أو القاضي باحترام القانون.
إن احترام الدستور ليس ترفًا سياسيًا أو قانونيًا، بل هو الشرط الأول لبناء الثقة العامة. فالمواطن الذي يرى السلطة تتجاوز النصوص التي وضعتها بنفسها، سيفقد إيمانه بأي حديث عن العدالة أو الإصلاح أو دولة المؤسسات. كما أن أي مستثمر أو جهة دولية أو قوة اجتماعية لن تنظر بجدية إلى دولة تتعامل مع قوانينها باعتبارها قابلة للتعليق أو التجاوز وفق الحاجة السياسية.
المشكلة الأعمق أن هذا السلوك يعيد إنتاج النموذج السوري القديم نفسه القائم على تركز السلطة في يد شخص واحد أو مؤسسة واحدة مع تهميش كامل لبقية المؤسسات. وبدلاً من الانتقال نحو دولة تقوم على التوازن والرقابة المتبادلة بين السلطات، يجري تكريس عقلية الحكم الفردي بلغة جديدة وشعارات مختلفة، مما يعني عمليًا أن سوريا لم تغادر أزمتها، بل تعيد تدويرها بأشكال أخرى.
لا يمكن الحديث عن بناء دولة حديثة فيما السلطة التنفيذية تبتلع السلطة التشريعية وتهيمن على السلطة القضائية، وتتجاوز النصوص الدستورية بصورة علنية ومتكررة. كما لا يمكن إقناع السوريين بأنهم يدخلون مرحلة سياسية جديدة بينما يتم تكريس الممارسات ذاتها التي أوصلت البلاد إلى الانهيار أصلاً. إن جوهر الدولة الحديثة ليس في أسماء المؤسسات ولا في صناعة هويات بصرية جديدة، بل في احترام حدودها وصلاحياتها.
الأخطر أن اعتياد انتهاك الإعلان الدستوري في المرحلة الانتقالية سيرسخ سوابق ويؤسس لتقاليد سياسية مدمرة للمستقبل، حيث ستترسخ فكرة استسهال العبث في النصوص الدستورية، وأن السلطة تستطيع دائمًا إيجاد ذرائع استثنائية لتجاوزها، وستجد من هو مستعد من رجال القانون لتبرير ذلك أو للوذ بالصمت في أحسن الأحوال! وهذه هي البذرة الحقيقية للاستبداد، فالاستبداد لا يبدأ بالقمع فقط، بل يبدأ حين تصبح إرادة الحاكم أعلى من القانون.
إن سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن المدمرة، بل إلى إعادة بناء معنى الدولة نفسها. وهذه المهمة لا يمكن أن تبدأ في ظل سلطة تنتهك القواعد الدستورية بشكل دائم، لأن الدساتير وُجدت أساسًا لتقييد السلطة لا لتمنحها غطاءً شكليًا ثم يجري تجاهلها عند أول اختبار. إن إدمان وطء الدستور وانتهاك نصوصه ليس مجرد مخالفة قانونية عابرة، بل هو تقويض مباشر لأي فرصة حقيقية لبناء دولة مؤسسات، والدولة التي لا تحترم قوانينها في لحظة التأسيس، ستجد نفسها عاجزة عن فرض احترام القانون في المستقبل لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة